الجمعة، 27 فبراير 2026

حاضر بالقلب


خرجت "أنعام" مِن البيت تمسك بيد "سحر"، وخلفها تمشي "آمال" بخطوات طفولية، بينما يقفز "محمود" بين الطريق والجدار، يحمل قطعة حلوى بيد ويدندن بلحن اخترعه في خياله.

كان الجو يميل إلى السكون، ونسمة هواء خفيفة تمرّ عبر أزقة "بور سعيد"، تذكرهم أن الزمن يمضي... لكن الحنين لا يشيخ.

في يد "أنعام" كيس صغير… يحمل بعض الفاكهة، وعلبة حلاوة قديمة مِن تلك التي تحبها "الجدة ذكية…والدة "أنعام".
زيارةُ ودّ لا يُقال فيها إلا "طوّلت الغيبة."

وصلوا إلى بيت الجدة، طرقت "سحر" الباب بخفة كمن يدق على قلبٍ يشتاق.
فتحت الجدة "ذكية" الباب…
وجهها المضيء بالتجاعيد اتسع بإبتسامة شوق:

ـ "أهلا بالغالين…
" أنعام" ابنتي الغالية.....؟ 
"سحر....؟
"آمال.....؟ 
"محمود....؟ 
أدخلوا يا حبايب قلب جدتكم، البيت نور."
دخلوا واحدًا تلو الآخر، والجدة لا تكف عن تقبيل جباههم ودعواتها تتوالى لهم:
ـ "ربنا يحفظكم ويسترها عليكم…ربي يجعل  أيامكم كلها تيسير بكل خير إن شاء الله تعالى."

وضعت "أنعام" الزيارة على الطاولة، وجلست بجانبها، طمئنيني عليكِ يا أمي.... ؟

أنا مقصرة معكِ أعتذر منكِ .. ؟

ردت الجدة يا ابنتي أنا مقدرة الظروف التي تمرين بها ، كان الله في عونك ،  فسألتها الجدة وهي تضع يديها على يدها:
ـ ما الأخبار...؟ 
طمئنيني عن "محمد… و"رفاعي....؟ 
مازال في "أمريكا....؟
" وأحمد" أين هو....؟

تنهدت "أنعام"، وردّت بصوت فيه مرارة ودفء معًا:
ـ "محمد" سافر إلى الجيش اليوم  يا أمي.… ورفاعي بعيد، لكن… حاضر في القلب."

ـ "وهل يفكر في العودة....؟"
أجابت "أنعام" لا يا أمي يحاول الإستقرار هناك ليرسل لنا فيما بعد لنتجمع هناك معه.

و ماذا عن "أحمد" يا "أنعام...؟

أجابت "أنعام" هو في المحل يعمل يا أمي .

هزّت "أنعام" رأسها:
ـ "ليس بالسهل يا أمي أن يعود رفاعي … لكن ندعي "الله" أن يجمعنا على خير.

" أنا واثقة في "الله تعالى"،سوف يجمعنا مرة أخرى ، وبدعواتك لنا يا أمي في كل صلاة… وبأولادي… ولم أترك الدنيا تغلبني أو تكسرني."

"ربّتت الجدة على يدها وقالت بنبرة حانية:
ـ "أنتي إمرأة مكافحة يا "أنعام… وتربيتي لم يخذلني الله فيها و مٓن مثلك لا ينساه "الله". 

"أكملي… أكملي مسيرتك، وثقي بربك لا يضيع أجر من أحسن عملاً."

نظرت إليها "سحر" وقد أخذها دفء الجدة، فقالت:
ـ "سوف نأتي لزيارتك مرة أخرى قريباً إن شاء الله."

ضحكت الجدة وقالت:
ـ "هذا هو الكلام الذي يطمئن القلوب… إياكم أن تنسوني… الدنيا تجري، و مٓن مثلي عمره لا يطول في الإنتظار كثيراً."

بعد بعض الوقت، ودعوها وخرجوا، وقد امتلأت صدورهم بعبق الطمأنينة، كما يُملأ الوعاء بماء بارد في حرّ يوم صيفي.

عادوا إلى البيت، فوجدوا "أحمد" قد سبقهم بدقائق، يجلس على الأريكة يخلع حذاءه وهو يقول:
ـ "لحقتكم...! أنا وصلت منذ قليل … للعلم، أبي أتصل يا أمي."

التفتت "أنعام" فورًا بلهفة:
ـ "رفاعي....؟! 
و ماذا قال لك....؟"

ـ "تحدثت معه في الهاتف بعض الدقائق… أخبرته أنكم عند الجدة "ذكية"، وقال أنه سوف يتصل مرة أخرى عندما تعادون"

وقبل أن تجف كلمات "أحمد"، رن الهاتف.
أمسكت "أنعام" بالسماعة كمن يمسك خيط نجاة، وقالت:
ـ "ألو… السلام عليكم يا "رفاعي."

جاء صوت "رفاعي" مِن بعيد، دافئًا، حنونًا… كأنه يفرش الطريق بينهما وردًا:

ـ "وعليكم السلام يا "أنعام… وحشتوني جميعاً… عندي مفاجأة ليكِ."

انقبض قلبها للحظة، ثم قالت بتوجس ممزوج برجاء:

ـ "خير يا رفاعي....؟
ستعود إلى مصر...؟"

ضحك بخفة وقال:
ـ "لأ… لا لست أنا … سوف أرتّب لكم أوراقكم… مِن أن تأتوا أنتم… تعيشوا معي في "نيويورك."

سكتت "أنعام…
توقّف الزمن بين الجملة ورد الفعل.

أمسكت السماعة بقوة، وكأنها تمسك القرار ذاته، ثم تمتمت:
ـ "نيويورك....؟
… نترك كل شيء ونرحل....؟"

قال برقة:
ـ "أنا تعبت مِن البعد يا "أنعام… لا اتحمل العيش يوم مِن دونكم."

نظرت "أنعام" حولها…
إلى "سحر"، و"آمال"، و"محمود"، و"أحمد…
ثم قالت بصوت منخفض فيه ارتباك وأمل:
ـ "أمهلني بعض الوقت أفكر… وأسأل قلبي… وأستخير ربي."

قال لها:
ـ "خءي وقتك… في التفكير لكن لا تنسي أن تجمعنا هو البداية الجديدة."

وأغلق الخط…
و"أنعام" ما زالت ممسكة بالسماعة، والبيت مِن حولها ساكن، إلا قلبها…
كان كطبلٍ يُدق في سكونٍ ساحليّ…
هل تترك الأرض....؟
أم تتمسك بالجذور....؟
وهل الحنين للوطن… أقوى مِن الحنين للرجل الذي أختار الرحيل…
ثم الندم.... أم الوصول للنجاح...؟     بقلم.                                          عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot