في كل مرة تهتز فيها الساحة العامة بسبب قضية صادمة،
يتفجّر الغضب فجأة،
ترتفع الأصوات،
تمتلئ الشاشات والتعليقات،
ويبدو المشهد وكأن المجتمع بأكمله قد استيقظ دفعة واحدة.
لكن السؤال الحقيقي لا يُطرح في لحظة الغضب،
بل بعد أن يهدأ كل شيء:
ماذا تبقّى؟
الرأي العام سريع الاشتعال،
لأن الغضب أسهل المشاعر وأقربها.
لا يحتاج إلى تفكير طويل،
ولا إلى تحليل،
ولا إلى مسؤولية.
يكفي حدث صادم،
صورة،
عنوان،
مقطع قصير،
حتى يتحول الغضب إلى حالة عامة.
لكن هذا الغضب غالبًا لا يسأل: لماذا حدث ما حدث؟
ولا كيف تكرر؟
ولا ما الذي يمنع تكراره؟
هو غضب يبحث عن تفريغ، لا عن تغيير.
بعد أيام،
تدخل قضية جديدة المشهد،
فتُدفن السابقة دون أن تُغلق.
لا لأن العدالة تحققت،
ولا لأن الأسئلة أُجيبت،
بل لأن الانتباه انتقل.
الرأي العام لا ينسى لأن الحقيقة ظهرت،
بل ينسى لأن الصدمة لم تعد جديدة.
وهكذا تتراكم القضايا
لا في الوعي،
بل في الأرشيف.
الخطر الحقيقي أن يتحول الغضب إلى عادة،
وأن تصبح القضايا الصادمة مادة للاستهلاك اليومي.
نغضب،
نشارك،
نعلّق،
ثم ننتقل إلى غيرها.
كأن الألم صار محتوى،
وكأن المأساة فقدت قدرتها على إحداث الأثر الطويل.
ما نطلق عليه “الرأي العام”
ليس وعيًا جماعيًا متماسكًا،
بل خليط من الخوف، والتعاطف، والإنكار، والدفاع عن الذات.
بعض الغضب نابع من إحساس حقيقي بالظلم،
وبعضه الآخر محاولة لطمأنة النفس:
“نحن مختلفون عن هذا الحدث”،
“هذا لن يحدث لنا”.
ولهذا يهدأ الغضب سريعًا،
لأنه لم يُبنَ على مواجهة،
بل على مسافة نفسية.
يضيع الأثر حين:
لا يتحول الغضب إلى سؤال
ولا السؤال إلى نقاش
ولا النقاش إلى وعي
ولا الوعي إلى ضغط مستمر
فالغضب وحده لا يغيّر المجتمعات،
والذاكرة وحدها هي ما يصنع الفارق. بقلم. الدكتورة....نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق