الثلاثاء، 6 يناير 2026

عيد الميلاد المجيد… حين يولد السلام من قلب الألم

بقلم الكاتب ابانوب رفعت 
في كل عام، يعود عيد الميلاد المجيد ليطرق أبواب القلوب قبل أن تُضاء الشموع وتُرفع التراتيل، حاملاً معه رسالة لا يحدّها زمن ولا مكان، رسالة وُلدت في ليلة هادئة منذ أكثر من ألفي عام، لكنها ما زالت تصرخ في ضمير الإنسانية حتى اليوم: رسالة السلام، والمحبة، والرجاء في عالم يتكاثر فيه الألم وتتراجع فيه القيم.
ليس عيد الميلاد مجرد ذكرى دينية يحتفل بها المسيحيون حول العالم، بل هو مناسبة إنسانية كبرى، تعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول معنى الحياة، ودور الإنسان، ومسؤوليته تجاه أخيه الإنسان، في زمن باتت فيه الصراعات أعلى صوتًا من الحكمة، والمصالح أقوى من المبادئ.
ميلاد خارج منطق القوة
جاء ميلاد السيد المسيح عليه السلام خارج كل مقاييس القوة البشرية. لم يولد في قصر، ولم تحفه جيوش أو مظاهر سلطان، بل جاء إلى العالم في مذود متواضع، في مشهد يحمل دلالة عميقة مفادها أن تغيير العالم لا يبدأ من القصور، بل من القلوب. لقد كان الميلاد إعلانًا صريحًا لانقلاب المفاهيم؛ حيث تنتصر البساطة على الترف، وتعلو الرحمة فوق العنف، ويصبح الإنسان هو القيمة العليا.
ومنذ تلك اللحظة، تحولت قصة الميلاد إلى رمز خالد للأمل، وإلى رسالة مفتوحة لكل البشرية، تؤكد أن النور قادر دائمًا على اختراق أحلك الظلمات، وأن السلام ليس حلمًا مستحيلًا، بل خيارًا أخلاقيًا يتطلب شجاعة وإيمانًا.
العيد… حين تلتقي الروح بالإنسان
لا تتوقف رمزية عيد الميلاد عند حد الطقوس الدينية والصلوات الكنسية، بل تمتد لتشمل أبعادًا اجتماعية وإنسانية عميقة. فهو موسم للمصالحة، ولمّ الشمل، وإعادة بناء العلاقات التي أرهقتها ضغوط الحياة. وفي هذا العيد، تتجلى قيم العطاء بشكل خاص، حيث تتحول تعاليم المحبة إلى سلوك عملي في صورة مساعدة المحتاجين، ومساندة الضعفاء، والاهتمام بمن يعيشون على هامش المجتمع.
إن عيد الميلاد يضع الإنسان أمام اختبار حقيقي: هل تتحول الكلمات الجميلة إلى أفعال؟ وهل تظل المحبة مجرد شعار، أم تصبح ممارسة يومية تعكس جوهر الإيمان؟
عيد الميلاد في مصر… خصوصية المشهد ووحدة الرسالة
في مصر، لا يمر عيد الميلاد المجيد كحدث ديني فحسب، بل كحالة وطنية جامعة، تعكس عمق الروابط التاريخية بين أبناء الشعب الواحد. فالمشاركة الواسعة في تهنئة الإخوة المسيحيين، من مؤسسات الدولة، ورجال الدين، والمواطنين، تؤكد أن التعايش ليس شعارًا مرفوعًا، بل واقعًا متجذرًا في الوعي الجمعي للمصريين.
وتتحول الكنائس والشوارع المحيطة بها إلى مساحات للمحبة المتبادلة، في مشهد يبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن وحدة النسيج الوطني قادرة على مواجهة كل محاولات الاستقطاب أو الفتنة، وأن الاختلاف الديني لم يكن يومًا عائقًا أمام الانتماء المشترك للوطن.
رسالة الميلاد في زمن الاضطراب العالمي
يأتي عيد الميلاد هذا العام والعالم مثقل بالأزمات؛ حروب دامية، ونزاعات ممتدة، وأوضاع اقتصادية خانقة، وأزمات إنسانية تدفع الملايين إلى الهجرة والفقر واليأس. وفي خضم هذا المشهد القاتم، تبرز رسالة الميلاد كصرخة ضمير، تذكّر العالم بأن العنف لم يكن يومًا حلًا، وأن السلام لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى على العدالة والاحترام المتبادل.
إن ميلاد المسيح لم يكن حدثًا تاريخيًا معزولًا، بل كان دعوة مستمرة لمراجعة مسار الإنسانية، والعودة إلى القيم الأخلاقية التي تحفظ كرامة الإنسان، وتضع حدًا لدوائر الدم والكراهية.
دور الإعلام… من التغطية إلى التأثير
في مثل هذه المناسبات، تتعاظم مسؤولية الإعلام، الذي لا ينبغي أن يكتفي بنقل مظاهر الاحتفال أو تبادل التهاني الرسمية، بل عليه أن يغوص أعمق في جوهر المناسبة، وأن يقدّم خطابًا يعزز ثقافة السلام، ويواجه خطاب الكراهية، ويعيد الاعتبار للقيم المشتركة بين البشر.
فالإعلام الواعي قادر على تحويل عيد الميلاد إلى منصة حقيقية للحوار، وإلى فرصة لنشر الوعي، وبناء جسور الفهم بين مختلف مكونات المجتمع، بما يرسّخ الاستقرار الاجتماعي ويحصّن المجتمعات ضد محاولات الانقسام.
عيد الميلاد… ولادة أمل جديد
في المحصلة، يظل عيد الميلاد المجيد مناسبة تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتصبح حالة إنسانية متجددة. هو دعوة لأن يولد السلام من جديد في القلوب، قبل أن يُترجم على أرض الواقع. هو تذكير بأن المحبة لا تموت، وأن الأمل لا ينطفئ، مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت التحديات.
ومع كل عيد ميلاد، تتجدد الأمنية بأن يستعيد العالم إنسانيته، وأن تعلو لغة الحوار فوق صوت السلاح، وأن يبقى الإنسان، بكل آلامه وآماله، هو جوهر الرسالة وغايتها.
عيد ميلاد مجيد… يحمل وعدًا قديمًا متجددًا، بأن النور أقوى من الظلام، وأن المحبة قادرة على إنقاذ العالم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot