لماذا نُصرّ على إنكار النجاح وهو يحدث ؟ ؟؟؟؟؟؟
بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
هناك سلوك متكرر في جزء من الوعي الجمعي المصري لا يمكن اعتباره اختلاف رأي بريئًا بل نمطًا ذهنيًا راسخًا :
الاستخفاف بالإنجاز أثناء حدوثه ثم الاعتراف به بعد أن يصبح تاريخًا لا يمكن تغييره .
هذا السلوك لا يقتصر على مجال بعينه بل يتكرر بنفس المنطق في الرياضة والسياسة وحتى في تقييم الحضارة المصرية ذاتها .
1988 – 1991 :
حين هوجم الجوهري لأنه كان يفهم قبلنا !!!!!
حين تولّى محمود الجوهري تدريب المنتخب المصري في فترته الأولى ( 1988 – 1991 ) واجه هجومًا شعبيًا وإعلاميًا واسعًا.
شعاره الشهير
“ التمثيل المشرف ”
اعتُبر وقتها استسلامًا وأسلوبه وُصف بالتحفظ والملل وغياب المتعة .
لكن ما تجاهله المنتقدون أن الجوهري :
أعاد بناء منتخب منهك
صعد بمصر إلى كأس العالم 1990 بعد غياب 56 عامًا
وواجه مدارس كروية عالمية بعقلية تكتيكية واقعية
ورغم تحقيق الهدف الأكبر لم يُنسب الإنجاز للرجل بل قُدِّم على أنه “ ظروف مواتية ” أو “ قرعة سهلة ” أو “ حظ ” .
ثم عاد في فترته الثانية ( 1998 – 2000 ) ليؤكد الفكرة نفسها :
بطولة أمم إفريقيا 1998
بنفس العقلية وبنفس موجة التشكيك
2004 – 2011 :
حسن شحاتة والإنجاز الذي كسر الإنكار !!!!
مع حسن شحاتة تغيّر شكل النقد لكن جوهره لم يتغير :
“ لا يعتمد على خطط ”
“ يلعب بلا تجديد ”
“ لاعبيه كبار في السن ”
لكن الواقع جاء صادمًا :
أمم إفريقيا 2006 – 2008 – 2010
ثلاث بطولات متتالية لم يحققها أي منتخب إفريقي
هنا فقط اضطر الجميع للاعتراف لا لأن الفكرة اقتنعت بل لأن الإنجاز أصبح أكبر من قدرة التشكيك .
2024 – الآن: نفس العقلية مع حسام وإبراهيم حسن !!!!
اليوم يتكرر المشهد ذاته مع حسام حسن وإبراهيم حسن .
رغم أن المنتخب :
تأهل إلى كأس العالم القادم و
لم يتعرض لهزيمة في مشواره
وواجه منتخبات تضم أغلب لاعبيها في أقوى الدوريات الأوروبية و صعد الي بطولة الأمم الأفريقية و صل لدور الثامن ايضا بدون هزيمة
وكان اول مجموعته .
ما زال الخطاب السائد :
التقليل من الأداء أو نسب الفوز للحظ أو ضعف المنافس
إنكار دور الجهاز الفني واللاعبين
واللافت أن كثيرًا من هذا الخطاب يصدر عن :
معلقين رياضيين أو مدربين سابقين فشلوا في تصعيد فرقهم من الدرجة الثانية إلى الأولى لكنهم يمتلكون يقينًا كاملًا أن نجاح المنتخب لا بد أن يكون سببه أي شيء… إلا العمل .
من الرياضة إلى السياسة :
الذهنية نفسها بلا تغيير هذه العقلية لا تتوقف عند المستطيل الأخضر بل تمتد بوضوح إلى السياسة خاصة في تقييم أداء الدولة المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي .
نسمع باستمرار :
لماذا كل هذا التسليح ؟
لماذا هذا الحجم من التدريب ؟
لماذا هذه النفقات الضخمة ؟
لكن حين حاول الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فرض تصورات تمس :
حرية الملاحة في قناة السويس دون مقابل أو الضغط لتمرير حلول تمس الأمن القومي المصري ظهر بوضوح أن :
امتلاك القوة هو ما حمى القرار المصري .
وأن الردع هو ما منع الابتزاز
وأن ما سُخر منه بالأمس كان ضرورة استراتيجية لا ترفًا سياسيًا
كذلك حماية :
حقول الغاز في شرق المتوسط
ومنع فرض الأمر الواقع من قوى إقليمية طامعة فإن كل ذلك لم يكن “ ظروفًا ” بل نتيجة تخطيط واستعداد وقوة .
حتى الحضارة… لم تسلم من التقليل .
الأغرب أن هذا السلوك امتد إلى الحضارة المصرية نفسها :
تشكيك في قدراتها العلمية و نسب إنجازاتها لقوى غير بشرية
الادعاء بأنها .
“ أكبر من أن تكون من صنع المصريين ”
وكأن :
صعود الإنسان للقمر وتسخير الذرة والفضاء خلال 100 عام أمر طبيعي لكن حضارة حكمت العالم آلاف السنين ؟
“ مستحيل ” !
الجذر الأخلاقي والديني للأزمة
هذا السلوك يتصادم مباشرة مع نصوص واضحة :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾
«ولا تبخسوا الناس أشياءهم»
التقليل من الإنجاز ونسب النجاح للحظ أو الدعاء فقط :
ليس تواضعًا بل ظلم وإلغاء لقيمة الجهد والعمل
و هنا نقول :
لماذا نخاف من الاعتراف بأننا ناجحون ؟
الشعب المصري ليس ابن الصدفة ولا صنيعة الظروف وحدها بل حضارة يزيد عمرها على سبعة آلاف عام .
وحين يوضع هذا الشعب تحت ضغط حقيقي :
لا ينهار بل يفرز قيادات ويُخرج إنجازات يعجز التفسير السطحي عن فهمها .
لكننا نُصرّ دائمًا على :
إنكار النجاح وهو يحدث ثم تمجيده بعد أن يرحل أصحابه وهكذا لا نخسر المدرب فقط ولا القائد فقط بل نخسر ثقتنا في أنفسنا .
والأمم التي لا تعترف بإنجازها في لحظته تحكم على نفسها أن تعيش دائمًا تنتظر
“ زمنًا جميلًا ”
كانت هي نفسها السبب في ضياعه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق