🖋/م.عماد سمير
في ستينيات القرن الماضي، قرر عالم الجيولوجيا الفرنسي ميشيل سيفر أن يخوض تجربة تبدو أقرب للجنون: العيش 63 يومًا داخل كهف مظلم تمامًا، بلا شمس، بلا ساعة، وبلا أي اتصال بشري. الهدف كان علميًا بحتًا: فهم كيف يعمل الزمن داخل الإنسان عندما يُعزل عن العالم.
لكن بعد أكثر من نصف قرن، تعود هذه التجربة لتطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا:
هل نعيش اليوم شكلًا جديدًا من العزلة… ونحن متصلون طوال الوقت؟
كهف الأمس… وشاشات اليوم
داخل الكهف، فقد سيفر إحساسه بالوقت، واضطرب نومه، وتبدلت حالته النفسية. كان جسده يعمل وفق إيقاع خاص، منفصل عن دورة اليوم والليلة.
اليوم، لا نعيش في كهوف مظلمة، لكننا نعيش داخل شاشات مضيئة، تعزلنا بطريقة مختلفة.
وسائل التواصل الاجتماعي منحتنا اتصالًا دائمًا، لكنها في المقابل سرقت منا الإحساس الحقيقي بالزمن. ساعات تمر دون إدراك، نوم متقطع، تركيز مشتت، ومشاعر عزلة رغم الزحام الرقمي.
العزلة لم تعد صامتة
عزلة سيفر كانت صامتة ومظلمة، أما عزلة اليوم فهي صاخبة، مليئة بالإشعارات والرسائل، لكنها لا تقل تأثيرًا.
فالإنسان الحديث قد يتحدث مع مئات الأشخاص يوميًا، لكنه نادرًا ما يشعر بالتواصل الحقيقي.
الدراسات الحديثة تشير إلى أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل يؤثر على الساعة البيولوجية، ويزيد من معدلات القلق والاكتئاب، ويخلق حالة من الانفصال الداخلي تشبه – من حيث التأثير – العزلة الفيزيائية.
التجربة تحذير مبكر
ما فعله سيفر كان تجربة علمية محدودة الزمن، خرج منها محملًا بالنتائج والدروس.
أما عزلة العصر الرقمي، فهي تجربة مفتوحة بلا نهاية واضحة، ندخلها طوعًا كل يوم، دون أن نلاحظ آثارها إلا بعد فوات الأوان.
الزمن ليس ما نراه
أثبتت تجربة الكهف أن الزمن ليس ساعة حائط، بل إحساس داخلي هشّ، يتأثر بالضوء، والعلاقات، والمعنى.
وحين نفقد التوازن بين الواقع والافتراض، نفقد جزءًا من إنسانيتنا دون أن نشعر.
ربما لم نعد بحاجة إلى كهف مظلم لنعرف معنى العزلة…
يكفي أن ننظر إلى شاشة مضيئة، ونسأل أنفسنا:
هل نحن متصلون فعلًا… أم فقط محاطون بالضجيج؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق