الأربعاء، 28 يناير 2026

حين تصبح المعرفة عبئًا وتصبح الرؤية ضرورة !!!!!

بقلم : ماهر حسن مفتاح 
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
في لحظات التحول الكبرى لا تعاني المجتمعات من نقص في الخبراء بل من فائض في اليقين فالمعرفة تتراكم بينما القدرة على إعادة النظر تتآكل ومع الوقت تتحول الأدوات التحليلية من وسائل للفهم إلى جدران عازلة تحجب ما يتغير خارجها المشكلة لم تعد في غياب البيانات بل في هيمنة الأطر التي تفسرها وفق منطق لم يعد يعكس الواقع النظريات التي وُلدت لتفسير العالم أصبحت تدافع عن نفسها أكثر مما تفسره وعندما تتحول النظرية إلى هوية فكرية يفقد العقل مرونته ويصبح التغيير تهديدًا لا احتمالًا هنا تحديدًا يبدأ الانفصال بين العلم والرؤية فالعلم يعمل داخل النظام بينما الرؤية تتطلب مسافة عنه ليست رفضًا للمنهج بل تحررًا مؤقتًا من سلطته فالتاريخ لا يتحرك وفق النماذج بل النماذج تُعاد صياغتها بعد أن يتحرك التاريخ أولًا ولهذا فإن الإشارات المبكرة للتحول لا تلتقطها غالبًا المؤسسات الأكاديمية بل العقول القادرة على التفكير من خارج التسلسل المنطقي السائد تلك العقول التي لا تعادي المعرفة لكنها لا تتوقف عندها وتدرك أن القواعد ليست قوانين طبيعية بل اتفاقات بشرية قابلة للتجاوز حين يتغير السياق الاقتصاد والسياسة والتنمية ليست معادلات مغلقة بل أنظمة حية تخضع للتفاعل الإنساني والتكنولوجي والنفسي والجيوسياسي وعندما نحاول تفسير عالم متغير بأدوات مستقرة فإننا لا نفهمه بل نُطمئن أنفسنا فقط لهذا لا يكفي أن ننتج باحثين أكثر بل نحتاج إلى نوع مختلف من العقول عقول ترى من أعلى قبل أن تنزل إلى التفاصيل وتدرك أن الخيال ليس نقيض العلم بل مقدمته وأن كل نظرية كبرى بدأت يومًا كرؤية غير قابلة للإثبات في لحظتها فالتقدم لا يصنعه من يتقنون ما هو قائم بل من يملكون الجرأة الذهنية لتخيل ما لم يتشكل بعد لأن المستقبل لا يُدار بالمعرفة وحدها بل بالبصيرة التي تسبقها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot