الاثنين، 26 يناير 2026

رؤية الفيل لا أجزائه !!!!!

 بقلم : ماهر حسن مفتاح
 كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
نحن نعيش زمنًا لم يعد فيه الخلاف نابعًا من الجهل
بل من الرؤية الجزئية
كل طرف يعتقد أنه يمتلك الحقيقة
لأنه يلمس شيئًا حقيقيًا بالفعل
من يرى التضخم يظن أن المشكلة نقدية
ومن يركز على الفائدة يعتقد أن البنوك المركزية تحكم العالم
ومن ينظر إلى الجغرافيا السياسية يختزل المشهد في صراعات وتحالفات
وآخرون يرون التكنولوجيا ويؤمنون أن الابتكار وحده قادر على إصلاح النظام
الجميع يلمس الفيل
والجميع مقتنع أن ما يلمسه هو الحقيقة الكاملة
الخطر ليس في الخطأ
بل في أن تكون على حق جزئي
وتتعامل معه كأنه كل الحقيقة
هنا يبدأ الانهيار الحقيقي للنقاش الاقتصادي
ليس بسبب غياب البيانات
بل بسبب تفكك زاوية الرؤية
الاقتصاد السياسي لا يبدأ بالأرقام
ولا بالتوقعات
ولا بالنماذج
بل بسؤال أعمق
من يقرر
وبأي قواعد
حين يختبئ الاقتصاد خلف السياسة
تبدو القرارات تقنية ومحايدة وحتمية
لكن عندما يخرج الاقتصاد إلى الواجهة علنًا تظهر القوة ويتسع عدم اليقين
فالأسواق لا تخاف الأزمات
لأنها تعلمت التكيف معها
ما تخشاه الأسواق حقًا
هو اللحظة التي تتغير فيها القواعد دون إطار
حين تحل السلطة محل النظام
ويصبح القرار شخصيًا لا مؤسسيًا
لهذا تصبح تسمية الأشياء بأسمائها ضرورة
فالتضخم ليس دائمًا تضخمًا
والنمو ليس دائمًا قوة
والاستقرار ليس دائمًا أمانًا
أحيانًا تكون مجرد إشارات لنظام يحاول حماية نفسه
رؤية الفيل تعني رفض الصراع على أجزائه وتعني التراجع خطوة إلى الخلف لفهم لماذا يبدو كل جزء مقنعًا ولماذا لا يشرح أي منها الصورة الكاملة هذا ليس ادعاء امتلاك الحقيقة ولا محاولة للتفوق بل إدراك لحقيقة أخطر أن الأنظمة لا تنهار لأن الناس لا يرون بل لأنها واثقة
واليقين المبني على رؤية ناقصة
هو أغلى الأوهام في الاقتصاد السياسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot