أ/ أدهم أحمد حسين (إستشاري العلاقات الدبلوماسية بالمجلس العربي الإفريقي لحقوق الإنسان)
كشف الخطاب الذي اصدره الأمين العام للأمم المتحدة قبل يومين عن صورة قاتمة في لحظة مفصلية تمر بها الأمم المتحدة، حيث يؤكد الأمين العام أن المنظمة تواجه ما يشبه «لحظة الحقيقة»، لأن النظام المالي القائم على التزام الدول الأعضاء بسداد مساهماتها المقررة يتعرض لانتهاك واسع ومنهجي، بما يهدد الأساس القانوني والمؤسسي الذي تقوم عليه الميزانية المعتمدة والشرعية المالية للمنظمة ككل.
ويشرح غوتيريش أن الأزمة الحالية تختلف جذريًا عن أزمات سابقة، لأن دولًا رئيسية أعلنت رسميًا عدم الوفاء بمساهمات تمثل جزءًا كبيرًا من الميزانية النظامية، ما حوّل العجز من مشكلة مؤقتة يمكن إدارتها إلى اختلال بنيوي يجعل التخطيط المالي نفسه بلا معنى عملي.
ويكشف الخطاب عن مفارقة خطيرة في القواعد المالية القائمة، إذ تُجبر الأمم المتحدة على إعادة أموال «غير منفقة» حتى عندما يكون سبب عدم إنفاقها هو أن الدول لم تدفع أصلًا ما عليها، ما يضع المنظمة في حلقة عبثية تُعاقَب فيها على ضبط الإنفاق بدل أن تُكافأ على الإدارة الرشيدة.
ويحذر الأمين العام من أن المسار الحالي غير قابل للاستمرار، ويضع الدول الأعضاء أمام خيارين حاسمين: إما إصلاح جذري لقواعد النظام المالي للأمم المتحدة، أو القبول باحتمال واقعي لانهيار مالي يقيّد قدرة المنظمة على أداء وظائفها الأساسية.
ويقدّم أرقامًا صادمة تكشف حجم الأزمة، إذ بلغت المتأخرات بنهاية 2025 نحو 1.568 مليار دولار، ولم تتجاوز نسبة التحصيل 76.7% من المساهمات المقررة، ما استنزف الاحتياطيات النقدية وترك ميزانية 2026 معرضة لأزمة سيولة قد تبلغ ذروتها بحلول منتصف العام.
ويؤكد أن استمرار الوضع على ما هو عليه يعني استحالة تنفيذ ميزانية البرامج لعام 2026 بالكامل، مع الحاجة إلى خفض إنفاق يقارب 300 مليون دولار في 2026 وأكثر من 400 مليون في 2027 لمجرد تعويض إعادة الاعتمادات غير المنفقة.
ويمتد الخطر كذلك إلى عمليات حفظ السلام، حيث يجري تطبيق خفض بنسبة 15% في إنفاق 2025/2026، ما سيؤدي – وفق القواعد الحالية – إلى إعادة ما يقارب 900 مليون دولار لاحقًا، في وقت تعاني فيه البعثات أصلًا من نقص الموارد.
ويشير الخطاب إلى بعد أخلاقي وسياسي بالغ الحساسية، إذ تضطر الأمم المتحدة لتأخير سداد مستحقات الدول المساهمة بقوات في عمليات حفظ السلام، ومعظمها دول نامية، بما يعني أن كلفة الأزمة يتحملها الأضعف، لا الدول الأكثر تقصيرًا في السداد.
ويعترف غوتيريش بأن الأدوات المتاحة له محدودة، وأن المقترحات التي قدمها سابقًا لتعزيز الاستقرار المالي لم يُعتمد منها سوى القليل، وهي خطوات غير كافية أمام عمق الاختلال الحالي.
ويخلص في النهاية إلى رسالة مباشرة لا لبس فيها: إما أن تفي جميع الدول الأعضاء بالتزاماتها كاملة وفي الوقت المحدد، أو أن تتوافق سياسيًا على تغيير قواعد اللعبة المالية جذريًا، لأن بقاء الوضع الحالي يعني أن الأمم المتحدة تسير فعليًا نحو شلل مالي يهدد مستقبلها ودورها في النظام الدولي.
كالعادة قلم واعي وطرح ذكي. ربنا يوفقك دايمًا 👌🏼✨
ردحذفعاش جداا جميل 🌹🌹
ردحذفكلام في محله ما شاء الله
ردحذفما شاء الله تبارك الله يوفقك
ردحذف