بقلم: أحمد المهدي صفوت
لا توجد كلمة في القاموس الإنساني أثقل وطأة على النفس من كلمة "العهد". فهي ليست مجرد اتفاق شفهي أو ورقة ممهورة بتوقيع، بل هي "ميثاق غليظ" يربط بين الأرواح قبل الأجساد. وعندما نتحدث عن خيانة العهد، فنحن لا نتحدث عن خطأ عابر، بل عن زلزال يضرب أساسات الثقة التي يقوم عليها صرح المجتمع.
العهد.. ميثاق الوجود
إن قيمة الإنسان تُقاس بمدى التزامه بكلمته. ففي اللحظة التي يقطع فيها المرء عهداً، فإنه يرهن جزءاً من كرامته وصدقه لدى الآخر. الخيانة هنا لا تبدأ من لحظة "التنفيذ"، بل تبدأ من التهاون في تقدير قدسية الوعد. إنها لحظة الانحدار من سمو الوفاء إلى حضيض المصلحة الذاتية الضيقة.
لماذا يخون البعض؟
إن تحليل ظاهرة خيانة العهد يكشف لنا عن خلل بنيوي في الشخصية؛ حيث تطغى "الأنا" وتتوحش الرغبة في المكسب السريع على حساب القيم العلوية.
* غياب الضمير اليقظ: الذي يرى في العهد ديناً لا يسقط بالتقادم.
* الانتهازية: اعتبار الآخرين مجرد جسور للعبور، تنتهي قيمتهم بانتهاء المصلحة.
* ضعف الإرادة: العجز عن تحمل تكلفة الوفاء عندما تتعارض مع الهوى الشخصي.
شرخ لا يلتئم
يخطئ من يظن أن أثر الخيانة يقتصر على الضحية فقط. إن الخائن، وإن ربح مكسباً مادياً أو موقفا مؤقتاً، فإنه يخسر "نفسه". يفقد القدرة على النظر في المرآة بزهو، ويتحول في نظر المجتمع إلى كيان هش لا يؤتمن جانبه. أما الضحية، فتواجه معركة استعادة الثقة في العالم أجمع، وهو ثمن باهظ يدفعه الأبرياء نتيجة استهتار العابثين.
كلمة أخيرة
إن المجتمعات التي يتفشى فيها نقض العهود هي مجتمعات آيلة للسقوط، لأن "الثقة" هي الغراء الذي يربط لبنات المجتمع ببعضها البعض. الوفاء بالعهد ليس رفاهية أخلاقية، بل هو ضرورة وجودية. فكن ممن إذا عاهدوا أوفوا، ليس خوفاً من قانون، بل إجلالاً لإنسانيتك التي لا تكتمل إلا بصدق العهد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق