بقلم:أحمد المهدى
على مرّ العقود الماضية، ظل سؤال الهوية والولاء يمثل الجرح النازف في جسد القومية العربية.
وبينما تنقسم الآراء حول توصيف اليهود العرب كجزء أصيل من النسيج الوطني أو كطابور خامس، يبرز تساؤل أكثر مرارة وأشد إيلاماً: هل كانت الطعنة الكبرى من الآخر الذي غادر، أم من "ابن الدار" الذي بقي ليبيع المبادئ في سوق النخاسة السياسية؟
الخطيئة الكبرى: تسييس الدين وتهميش المواطنة
تاريخياً، لم يكن اليهود العرب مجرد طائفة دينية، بل كانوا أعمدة في الاقتصاد والثقافة والفن من بغداد إلى الدار البيضاء. لكن مأساة عام 1948 وما تلاها من صعود الفكر الصهيوني، وضعت هؤلاء المواطنين في اختبار "ولاء" قسري.
إن وصف اليهود العرب بـ "الخنجر المسموم" هو قراءة عاطفية تختزل تعقيدات تاريخية ضخمة؛ فالحقيقة تشير إلى أن جزءاً كبيراً منهم وقع ضحية لـ "كماشة" مزدوجة: دعاية صهيونية تريد اقتلاعهم من جذورهم، وسياسات عربية رد فعلية افتقرت آنذاك لمفهوم "الدولة الوطنية" الجامعة، مما دفعهم نحو رحيلٍ خسر فيه العرب عقولاً وأموالاً كانت يوماً جزءاً من قوتهم الناعمة.
خيانة "الداخل": السم الذي يسري في العروق
إذا كان رحيل اليهود العرب قد مثل "نزيفاً" في جسد القومية، فإن "خيانة" بعض النخب العربية والأنظمة التي ارتهنت للخارج تمثل "الفشل الكلوي" الذي أصاب المنظومة برمتها. إن مقارنة خطر "اليهودي الذي رحل" بخطر "العربي الذي خان" تبدو مقارنة غير متكافئة؛ فالأخير يمتلك الشرعية، واللسان، والقدرة على تفتيت الوعي الجمعي من الداخل.
الاختراق السياسي: إن الأنظمة التي قمعت شعوبها وبددت ثرواتها باسم القومية كانت، في جوهرها، أكثر خيانة للمشروع العربي من أي أقلية دينية.
بيع الوهم: الخائن "من بني جلدتنا" هو من شرعن التبعية، وهو من حوّل بوصلة الصراع من مواجهة المشروع الاستعماري إلى صراعات بينية وطائفية ضيقة.
ميزان القوى: العدو الظاهر والعدو المتخفي
في علم السياسة، يُعتبر العدو الخارجي (أو الغريب) عاملاً موحداً للأمة، حيث ترتفع وتيرة "المناعة الوطنية" ضده. أما "خيانة الداخل" فهي الأخطر لأنها تعمل في "المناطق العمياء" للوعي الشعبي.
لقد أثبتت التجارب أن القومية العربية لم تُهزم بسبب خروج أقلية، بل هُزمت بسبب غياب العدالة، وتفشي الفساد، وظهور فئات "مستعربة" الولاء، تضع مصالحها الضيقة فوق مصلحة الوجود العربي المشترك.
هؤلاء هم "الخناجر الحقيقية" التي ما زالت مغروسة في الظهر، تمنع الجسد من النهوض مرة أخرى.
إن استعادة روح القومية لا تمر عبر نبش قبور الماضي أو تخوين الأقليات التي كانت يوماً جزءاً منا، بل تمر عبر مواجهة "سرطان الخيانة" المتخفي خلف الشعارات.
إن خيانة المبادئ، وبيع الأوطان تحت الطاولة، وتدمير الإنسان العربي من الداخل، هي الجريمة الكبرى التي تتضاءل أمامها كل التهديدات الأخرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق