بقلم /عماد سمير
هل شعرت يوماً بآلام حادة في بطنك قبل خوض امتحان مهم؟ أو لاحظت اضطراباً في جهازك الهضمي بمجرد سماع خبر مزعج؟
إذا كانت الإجابة "نعم"، فأنت لست وحدك. يعاني الملايين حول العالم من "متلازمة القولون العصبي" (IBS)، وهي حالة طبية لم تعد تُصنف كمجرد مشكلة في الهضم، بل هي تجسيد حي للعلاقة المعقدة بين العقل والجسد.
لغز القولون: عندما يتحدث الجسد نيابة عن العقل
القولون العصبي ليس مرضاً عضوياً بمعنى وجود تلف في الأنسجة، بل هو "اضطراب وظيفي". هذا يعني أن الفحوصات قد تظهر سليمة، لكن الوظيفة مختلة. وهنا تكمن الحيرة؛ فالألم حقيقي جداً، والانتفاخ وتغيرات حركة الأمعاء تفرض قيوداً ثقيلة على حياة المصاب.
"محور الدماغ-الأمعاء": شبكة تواصل لا تهدأ
يطلق العلماء على الجهاز الهضمي لقب "الدماغ الثاني"؛ لاحتوائه على شبكة معقدة من الأعصاب (الجهاز العصبي المعوي). هناك اتصالات دائمة وثنائية الاتجاه بين المخ والقولون عبر "العصب الحائر".
عندما نتوتر، يرسل الدماغ إشارات طوارئ للجسم، مما يؤدي إلى:
زيادة حساسية الأمعاء: فيشعر المريض بألم شديد نتيجة تقلصات عادية قد لا يشعر بها الشخص الطبيعي.
اضطراب الحركة: قد تتسارع حركة الأمعاء مسببة إسهالاً، أو تتباطأ مسببة إمساكاً مزمناً.
تغير البكتيريا النافعة: الضغط النفسي المستمر يغير من توازن الميكروبيوم في الأمعاء، مما يزيد من الالتهابات البسيطة.
الدائرة المفرغة:
هل القلق يسبب القولون أم العكس؟
الحقيقة هي "كلاهما". التوتر النفسي يحفز أعراض القولون، والآلام الجسدية المستمرة للقولون تزيد من قلق المريض واكتئابه خوفاً من نوبات الألم المفاجئة أو الحرج الاجتماعي. إنها دائرة مفرغة تتطلب علاجاً يبدأ من "الرأس" تماماً كما يبدأ من "المعدة".
روشتة الحل: كيف نكسر هذه الدائرة؟
العلاج الحديث لم يعد يقتصر على الأدوية التقليدية للتقلصات فقط، بل يعتمد على "نهج شمولي":
إدارة الضغوط:
ممارسة تقنيات الاسترخاء، التنفس العميق، أو حتى اللجوء للعلاج النفسي السلوكي (CBT) أثبتت كفاءة تفوق أحياناً الأدوية الكيميائية.
تعديل النمط الغذائي: تحديد الأطعمة التي تثير القولون (مثل البقوليات أو الحليب أو الجلوتين لبعض الأشخاص) مع التركيز على الألياف المناسبة.
النشاط البدني:
الرياضة ليست لللياقة فقط، بل هي "مساج طبيعي" للأمعاء ومفرغ للشحنات النفسية السلبية.
النوم الكافي: الحرمان من النوم يرفع هرمونات التوتر، مما ينعكس فوراً على راحة جهازك الهضمي.
كلمة أخيرة :
قولونك ليس مجرد عضو للهضم، بل هو "مرآة" لحالتك النفسية. التصالح مع الذات، وتعلّم مهارات التعامل مع ضغوط الحياة، قد يكون هو المفتاح السحري للشفاء الذي لم تجده في الصيدليات. اسمع لجسدك، فقد يكون ألم بطنك مجرد رسالة من عقلك يطلب فيها "الهدوء".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق