بقلم: أحمد المهدي صفوت – صحفي وناشط حقوقي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قدّمت الولايات المتحدة نفسها للعالم باعتبارها “حامية الديمقراطية” و“زعيمة العالم الحر”، غير أن مراجعة سجلها السياسي والعسكري والاستخباراتي تكشف وجهًا آخر أكثر قتامة، يتمثل في سلسلة طويلة من العمليات القذرة التي شملت الانقلابات، والحروب، والاغتيالات، وتدمير الدول، ونهب الثروات، وكلها نُفِّذت تحت شعارات براقة أخفت وراءها مصالح إمبراطورية صلبة.
عام 1945 → افتتحت الولايات المتحدة هذا المسار بإلقاء أول قنبلتين نوويتين في التاريخ على مدينتي هيروشيما وناجازاكي في اليابان، ما أدى إلى مقتل أكثر من 200 ألف إنسان، معظمهم من المدنيين، في فعل لم يكن ضرورة عسكرية بقدر ما كان استعراض قوة ورسالة دموية دشّنت عصر الهيمنة النووية دون أي محاسبة.
1953 → في إيران، دبرت وكالة الاستخبارات المركزية انقلابًا على رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيًا محمد مصدق بعد قراره تأميم النفط، ليُعاد تنصيب الشاه وتبدأ عقود من القمع والاستبداد، وهو ما شكّل أحد الجذور المباشرة لانفجار الثورة الإيرانية عام 1979.
1954 → في غواتيمالا، أُسقط الرئيس جاكوبو آربينز لأنه مسّ مصالح شركة “يونايتد فروت” الأمريكية، لتدخل البلاد في حرب أهلية استمرت 36 عامًا، سقط خلالها أكثر من 200 ألف قتيل، وتعرّض السكان الأصليون لإبادة جماعية موثقة.
1961 → حاولت واشنطن إسقاط نظام فيدل كاسترو عبر غزو خليج الخنازير في كوبا، في محاولة فاشلة أعقبتها سنوات طويلة من الدعم التخريبي والحصار الاقتصادي الخانق الذي لا يزال مستمرًا حتى اليوم.
1964–1975 → في فيتنام، خاضت الولايات المتحدة حربًا دموية راح ضحيتها أكثر من ثلاثة ملايين فيتنامي، استخدمت خلالها أسلحة محرّمة مثل النابالم والعامل البرتقالي، وارتكبت جرائم حرب موثقة، قبل أن تنتهي الحرب بهزيمة سياسية وعسكرية كشفت زيف خطاب “الدفاع عن الحرية”.
1973 → دعمت واشنطن انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه ضد الرئيس المنتخب سلفادور أليندي في تشيلي، فاغتيلت التجربة الديمقراطية، وامتلأت السجون بالمعتقلين، واختفى الآلاف، وتحولت البلاد إلى مختبر للسياسات النيوليبرالية القسرية.
ثمانينيات القرن الماضي → في أمريكا الوسطى، ولا سيما نيكاراغوا والسلفادور، موّلت الولايات المتحدة فرق موت وميليشيات مسلحة، وظهرت فضيحة إيران–كونترا، ودُعمت أنظمة استبدادية أسفرت عن عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين.
1991 → شنّت الولايات المتحدة حرب الخليج الأولى على العراق، ودمّرت بنيته التحتية عبر قصف محطات الكهرباء والمياه، ممهّدة الطريق لحصار طويل الأمد.
1991–2003 → خلال حصار العراق، أدت العقوبات الأمريكية إلى وفاة أكثر من نصف مليون طفل، في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية، التي بررتها مسؤولة أمريكية بقولها الشهير: “الثمن كان يستحق”.
2001 → غزت الولايات المتحدة أفغانستان تحت شعار “مكافحة الإرهاب”، لتدخل أطول حرب في تاريخها، انتهت بعد عشرين عامًا بفشل استراتيجي ذريع وعودة طالبان إلى الحكم.
2003 → في العراق مجددًا، استخدمت واشنطن أكذوبة “أسلحة الدمار الشامل” ذريعة لغزو شامل أدى إلى تفكيك الدولة، وإشعال الطائفية، وسقوط ملايين القتلى والمهجرين، ونهب الثروات، وفضائح تعذيب موثقة في سجون مثل أبو غريب.
2011 → تدخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في ليبيا، فسقطت الدولة، وانتشرت الميليشيات، وغرقت البلاد في فوضى شاملة، وظهرت أسواق العبيد في القرن الحادي والعشرين.
2011–الآن → في سوريا، دعمت واشنطن جماعات مسلحة، وشاركت في احتلال غير شرعي لمناطق غنية بالنفط، وأسهمت في إطالة أمد الحرب ومعاناة الشعب السوري.
2014–الآن → في أوكرانيا، ساهم الدعم الأمريكي في عسكرة الصراع وتحويله إلى حرب بالوكالة ضمن صراع نفوذ دولي، خلّف دمارًا واسعًا وتهديدًا دائمًا للأمن العالمي.
2015–الآن → في اليمن، قدّمت الولايات المتحدة دعمًا عسكريًا ولوجستيًا للتحالف، ما أسهم في صناعة أسوأ كارثة إنسانية يشهدها العالم المعاصر.
2019–الآن → في فنزويلا، دعمت واشنطن محاولات انقلاب متكررة، وفرضت عقوبات خانقة، وصادرت أصول الدولة، واستخدمت الحصار الاقتصادي والتجويع كسلاح لإسقاط النظام.
ما يجمع كل هذه الوقائع ليس اختلاف الأنظمة أو الثقافات، بل نمط أمريكي ثابت يقوم على إسقاط الحكومات غير المطيعة، والسيطرة على الموارد، وفرض النموذج السياسي بالقوة، واستخدام حقوق الإنسان كشعار سياسي لا كمبدأ أخلاقي. فالولايات المتحدة لا تحارب من أجل الديمقراطية، بل توظفها كسلاح، وحين تُقاس الأفعال لا الأقوال، يتضح أن التاريخ الأمريكي الحديث كُتب، ولا يزال يُكتب، بدماء الآخرين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق