بقلم: المستشار كرم أيمن سعد غفرى مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان – مراسل صحفي بجريدة قلب الحدث – محرر بجريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية
هناك أيام تمر على التقويم، وهناك أيام تمر على التاريخ فتغيّر ملامحه إلى الأبد.
وهناك لحظات لا تُقاس بالساعات والدقائق، لأنها تُقاس بحجم ما تركته في وجدان أمة بأكملها.
ومن بين تلك الأيام الخالدة تأتي ذكرى انتصار حرب أكتوبر المجيدة، التي نحتفل بمرور 53 عامًا على عبور المصريين من ضفة الانكسار إلى ضفة الكرامة، ومن مرارة الاحتلال إلى عزة استرداد الأرض.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية انتهت بوقف إطلاق النار، ولم يكن العبور مجرد عبور لقناة مائية؛ لقد كان عبورًا من المستحيل إلى الممكن، ومن الخوف إلى الإرادة، ومن جرح الهزيمة إلى شموخ النصر.
كان يوم السادس من أكتوبر عام 1973 يومًا استثنائيًا في تاريخ مصر والأمة العربية، يومًا أثبت فيه الجندي المصري أن الإرادة حين تسكن قلب الإنسان تستطيع أن تهدم أسوار المستحيل.
مصر.. حين يصبح الوطن فوق كل اختلاف
ولأن مصر لم تكن يومًا مجرد حدود مرسومة على خريطة، فإن حبها لم يعرف دينًا يفرّق بين أبنائها، ولا طبقة اجتماعية تفصل بينهم، ولا لونًا أو عمرًا أو جنسًا يجعل مصريًا أعلى من مصري.
في أرض مصر، وقف المسلم والمسيحي جنبًا إلى جنب، كتفًا إلى كتف، وقلبًا إلى قلب، عندما نادى الوطن أبناءه.
لم يسأل الشهيد رفيقه عن دينه قبل أن يحميه، ولم يسأل الجندي زميله عن طائفته قبل أن يسانده، ولم تكن الخنادق تعرف إلا علمًا واحدًا يرفرف فوق الجميع: علم مصر.
ففي لحظات الخطر، تسقط كل المسميات الصغيرة، ويبقى اسم واحد أكبر من الجميع: مصر.
مصر التي جمعت أبناءها في لحظة واحدة، فكان المسلم والمسيحي يدًا واحدة، والشيخ والقديس، والرجل والمرأة، والشاب والفتاة، والكبير والصغير، والغني والفقير، وكل من عاش على هذه الأرض وشرب من نيلها وتنفس هواءها واستظل بسمائها.
هنا لا تكون الوحدة الوطنية شعارًا يُكتب على الورق، بل حقيقة تُرى في المواقف، وتُثبتها الأيام، وتكتبها تضحيات أبناء الوطن.
من يقترب من مصر.. فليقرأ تاريخها أولًا
مصر ليست أرضًا عابرة في كتاب التاريخ.
مصر واحدة من تلك البلاد التي لا تحتاج إلى أن تبحث عن تاريخها؛ لأن التاريخ نفسه جاء إليها وترك على أرضها بصماته.
هنا قامت حضارات عظيمة، وشُيدت المعابد، وارتفعت صروح المعرفة، وترك المصري القديم للعالم أسرارًا ما زالت تدهشه حتى اليوم.
وهنا عاش الملوك والقادة والعلماء والمفكرون، وعلى هذه الأرض تعاقبت حضارات وأديان وثقافات، وبقيت مصر محتفظة بشخصيتها وقدرتها العجيبة على البقاء.
إنها الأرض التي ارتبط اسمها بتاريخ المنطقة وذاكرة الأديان والحضارات، وورد ذكرها في الكتب السماوية، وبقيت عبر آلاف السنين أرضًا ذات مكانة استثنائية في وجدان البشر.
ولهذا فإن من يقرأ تاريخ مصر جيدًا يعرف أن هذا الشعب لم يكن يومًا شعبًا سهل الانكسار.
قد يتعب المصري، لكنه لا يستسلم.
قد يواجه المحن، لكنه يبحث عن طريق للخروج منها.
قد تضيق به الحياة، لكنه يبقى متعلقًا بأرضه.
وحين تُمس كرامة وطنه، يتحول الهدوء إلى قوة، والصمت إلى موقف، والإرادة إلى فعل.
أكتوبر.. شهادة من ذهب
لقد كتب شهداء أكتوبر بدمائهم صفحة لا يمكن أن تمحوها السنوات.
كان هناك من عبر القناة وهو يعلم أن الطريق أمامه قد يكون طريقًا بلا عودة، لكنه تقدم.
وكان هناك من ترك أمه وأباه وزوجته وأبناءه، وذهب إلى الجبهة لأن الوطن في تلك اللحظة كان يناديه.
وهناك من عاد يحمل جراح المعركة، وهناك من لم يعد، لكنه بقي حاضرًا في كل احتفال، وفي كل علم يرفرف، وفي كل طفل يقف احترامًا للنشيد الوطني.
هؤلاء لم يتركوا لنا مجرد ذكرى.
لقد تركوا لنا وطنًا وكرامة ودرسًا لا ينبغي أن يُنسى.
درسًا يقول إن الأوطان لا يحميها الكلام وحده، وإنما تحميها الإرادة، والعمل، والعلم، والوعي، والتكاتف، والاستعداد للتضحية عندما يصبح الوطن في خطر.
مصر لا تُقاس بما تملك فقط.. بل بما صنعت
حين نتحدث عن مصر، فإننا لا نتحدث فقط عن نهر النيل، ولا الأهرامات، ولا المعابد، ولا المدن القديمة.
نحن نتحدث عن شعب صنع عبر آلاف السنين حضارة كانت وما زالت واحدة من أعظم صفحات التاريخ الإنساني.
نتحدث عن علماء وأطباء ومهندسين وأدباء وشعراء وفنانين ومفكرين وقادة وجنود، حمل كل منهم جزءًا من اسم مصر ووضعه في مكان مختلف من خريطة العالم.
مصر التي عرفت الزراعة والصناعة والطب والهندسة والكتابة والتنظيم والإدارة منذ عصور سحيقة، لا تزال تملك اليوم أجيالًا قادرة على صناعة المستقبل إذا امتلكت العلم والفرصة والإرادة.
ولهذا فإن قوة مصر ليست في الماضي وحده.
قوة مصر في أن الماضي العظيم يستطيع أن يكون وقودًا لمستقبل أعظم.
شعب واحد.. وطن واحد.. مصير واحد
ربما تختلف الوجوه، وتختلف المهن، وتختلف الظروف، وتختلف الأفكار، لكن عندما يتعلق الأمر بمصر، فإننا أمام مصير واحد.
فلا فرق في حب الوطن بين مسلم ومسيحي.
ولا فرق بين شيخ وقديس.
ولا بين غني وفقير.
ولا بين رجل وامرأة.
ولا بين شاب وشيخ.
ولا بين من يسكن قلب العاصمة ومن يعيش في قرية صغيرة على أطراف الوطن.
الجميع مصريون.
والجميع شركاء في هذه الأرض.
والجميع مسؤولون عن أن تبقى مصر آمنة، قوية، متماسكة، وقادرة على مواجهة أزماتها وتحدياتها.
وهنا يجب أن نفهم أن الوحدة الوطنية ليست فقط أن نقف معًا في الأعياد والمناسبات، وإنما أن نحترم بعضنا، ونحمي بعضنا، ونرفض خطاب الكراهية، ونقف في وجه كل من يحاول أن يشعل نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.
يا مصر.. سيظل أكتوبر شاهدًا عليكِ
يا مصر...
يا أرض الفراعنة والحضارة.
يا أرض النيل والهرم والمعابد.
يا أرض العلماء والشعراء والأدباء.
يا أرض الشهداء الذين كتبوا أسماءهم في سجل الخلود.
سيظل السادس من أكتوبر شاهدًا على أن المصري إذا أراد استطاع.
وسيظل العبور شاهدًا على أن الهزيمة ليست نهاية الطريق، وأن الشعوب التي تمتلك الإرادة تستطيع أن تنهض من بين الركام وتصنع نصرها بأيدي أبنائها.
سيظل أكتوبر درسًا للأجيال القادمة:
أن الوطن لا يُختصر في كلمة، وأن العلم وحده لا يكفي دون عمل، وأن القوة الحقيقية تبدأ من وحدة الشعب، وأن الجيش القوي هو درع الوطن، وأن الشعب الواعي هو سنده.
إن مصر التي عبرت أصعب لحظاتها، تستطيع أن تعبر كل تحديات حاضرها ومستقبلها.
وستظل هذه الأرض، التي احتضنت حضارات عظيمة عبر آلاف السنين، قادرة على صناعة حضارة جديدة بأيدي أبنائها.
فمصر ليست مجرد وطن نعيش فيه...
مصر وطن يعيش فينا.
ومصر ليست مجرد أرض نحميها...
مصر هي الأرض التي تستحق أن نحيا ونبذل وننجح من أجلها.
وفي ذكرى أكتوبر، لا نحتفل بالنصر بوصفه صفحة من الماضي فقط، وإنما نستعيد معه معنى الانتماء، وقيمة التضحية، وقدسية الأرض، وضرورة أن يبقى المصريون جميعًا صفًا واحدًا أمام كل من يحاول المساس بوطنهم أو وحدتهم أو كرامتهم.
رحم الله شهداء مصر.
وحفظ الله شعب مصر.
وحفظ جيش مصر.
وحفظ أرض مصر.
تحيا مصر بشعبها... تحيا مصر بجيشها... تحيا مصر بعلمائها وشبابها وأبنائها... وتظل مصر، مهما تبدلت السنوات، شامخة فوق أرضها، حاضرة في التاريخ، وقادرة على صناعة المستقبل.
والآن.. الكلمة للقارئ
بعد مرور 53 عامًا على نصر أكتوبر المجيد، ماذا تعني لك ذكرى أكتوبر؟
وهل ترى أن أهم ما تركه لنا هذا النصر هو استعادة الأرض فقط، أم أنه ترك لنا أيضًا درسًا خالدًا في الوحدة الوطنية والتضحية والانتماء وقوة إرادة الشعب المصري؟
شاركنا رأيك وتعليقك.. ماذا تقول لمصر في ذكرى نصر أكتوبر؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق