كتب لكم المقااال 👇
كتبة لكم بقلم
✍️ احمد حمدى مستشار علاقات دبلوماسية المجلس الإفريقي الدولى ورئيس المجلس الاعلى للصحافة والاعلام
بسهولة، وتلاحظ التغيرات اللي بتحصل من غير ما يحس بيها اللي عايش جواها.
المشكلة مش بس إن الأسعار غليت، ولا إن الأخلاق اتغيرت، ولا إن السوشيال ميديا سيطرت على الناس. دي كلها أعراض لحاجة أعمق بكتير، إننا بقينا نهتم بشكل الحاجة أكتر من معناها، وبالصورة اللي بتبان للناس أكتر من الحقيقة اللي إحنا عايشينها.
بقينا نشتري رموز الحياة بدل ما نعيش الحياة نفسها!
البيت مثلا ما بقاش مكان فيه أمان وونس وذكريات، بقى مشروع استثماري واسم أجنبي وصور لفيو وحمام سباحة. والإعلان ما بيبعلكش شقة على قد احتياجاتك، لكنه بيبعلك إحساسا إنك لو ما امتلكتش المكان ده، تبقى أقل من غيرك.
النتيجة إن ناس كتير بقت تقيس نجاحها بعدد الأمتار، ومكان الوحدة، وسعر العربية، واسم المدرسة، ونوع التليفون. بقينا نطارد مستوى حياة يمكن ما نقدرش عليه، مش لأننا محتاجينه، لكن لأننا خايفين نبان أقل من الصورة اللي المجتمع رسمها للنجاح.
الطرق الواسعة والكباري الجديدة كشفت اننا ممكن نطور المكان أسرع بكتير ما نطور الإنسان.
ممكن نبني طريق عالمي، لكن يفضل اللي ماشي عليه مقتنع إن الشطارة معناها إنه يزاحم غيره، ويكسر الإشارة، ويمشي عكس الاتجاه، وياخد حق مش حقه. لأن الطريق الجديد مش هيصلح عقلية قديمة شايفة إن القانون مجرد عقبة، وإن الفهلوة نوع من الذكاء... دي أزمة احترام قبل ما تكون أزمة مرور. عدم احترام الطريق هو نفسه عدم احترام الموعد والطابور والكلمة والاتفاق، وعدم احترام حق الآخر في إنه يعيش من غير ما يدفع ثمن فهلوة غيره.
بعض التصرفات اللي كانت زمان عيب وبتتعمل في السر، بقت دلوقتي بتتقال بفخر. اللي يضحك على حد بقى «بيعرف يتصرف»، واللي يزوغ من مسؤوليته بقى «نبيه»، واللي يستغل احتياج الناس بقى «شاطر في البيزنس»، واللي يحترم كلمته ويتعامل بأمانة بيتقال عليه ساذج.
ما فقدناش الأخلاق فجأة، لكننا غيرنا أسماء الأشياء لحد ما الخطأ بقى مقبول. سمينا الاستغلال شطارة، والتطفل جدعنة، وقلة الذوق صراحة، والعدوان قوة شخصية، والنفاق دبلوماسية.
حتى اللغة، القضية مش في إننا نقول كلمة إنجليزي ولا فرنساوي وسط الكلام، لأن اللغات طول عمرها بتتأثر ببعض. المشكلة إن اللغة بقت أحيانا وسيلة لإعلان الطبقة الاجتماعية، مش وسيلة للتعبير. بنستخدمها علشان نثبت إننا بننتمي لدائرة معينة، حتى لو كانت أفكارنا نفسها فقيرة.
سمينا المحلات والمدارس والتجمعات السكنية بأسماء أجنبية، وكأن الاسم العربي بيقلل من قيمتها. كأننا مش بنغير اليافطة بس، لكن بنحاول نهرب من هويتنا، ونستعير هوية تانية تدينا إحساسا زائف بالرقي.
السوشيال ميديا ما خلقتش مشاكلنا، لكنها حطت لها كاميرا وإضاءة ومكبر صوت.
زمان كان ممكن شخص جاهل أو كذاب أو مدع يقعد وسط عشرة أو عشرين شخص، لكن دلوقتي يقدر يكلم ملايين. والمشكلة مش بس في اللي بينشر الكذب، لكن في السرعة اللي إحنا بنصدقه ونشاركه بيها، لأن الحقيقة بقت أبطأ وأقل إثارة من الشائعة.
بقينا نقرأ العنوان ونحكم، ونشوف صورة فنغضب، ونسمع عشر ثواني فنقرر مين الظالم ومين البطل. لا وقت للتحقق، ولا استعداد للاعتراف إننا ممكن نكون غلط. المهم إننا نشارك في الترند قبل ما يخلص، حتى لو ساهمنا في ظلم إنسان أو تشويه سمعته.
مجتمع بيتكلم كتير عن الدين والأخلاق، لكنه مش دايما بيمارس الرحمة والعدل والأمانة. بقينا نسأل الناس عن لبسهم وصلاتهم وعلاقاتهم، لكن ما نسألش نفسنا عن أكل حقوقهم، وكسر خواطرهم، والكذب عليهم، والتشهير بيهم. نهتم بالشكل الظاهر للتدين، بينما جوهره من صدق ورحمة وعدل وحفظ للسان وستر للناس بيتراجع.
هل معنى الكلام ده إن ما بقاش في خير؟ أبدا.
لسه فيها ناس محترمة بتشتغل في صمت، وناس بتساعد من غير تصوير، وموظف بيرفض الرشوة من سكات رغم احتياجه، وطبيب بيعالج الفقير بضمير، ومدرس بيحاول ينقذ عقل طفل، وأب وأم بيربوا أولادهم على إن الحق يفضل حق حتى لو محدش شايفهم.
الناس دي مش بتظهر في الترند إلا نادرا، ولما بتظهر بيكون غالبا لخدمة غرض ما، لكنها في الحقيقة هي اللي لسه شايلة المجتمع.
طول الوقت بنطلب من الدولة تصلح كل حاجة، وأكيد الدولة ليها دور ومسؤولية، لكن جزء كبير من الأزمة بيتولد كل يوم داخل البيت، وفي المدرسة، وفي الشارع، وعلى شاشة التليفون.
الدولة تقدر تعمل طريق، لكن مش هتسوق العربية بدالنا. تقدر تسن قانون وتطبق غرامه، لكن مش هتزرع الضمير اللي يحترمه. تقدر تبني مدرسة، لكنها مش هتجبر الأسرة على التربية، ولا المعلم على إنه يكون قدوة، ولا الإنسان على احترام غيره.
الإصلاح الحقيقي مش محتاج خطب بقدر ما محتاج إن كل واحد يبطل يعتبر نفسه استثناء، ما يطلبش النظام وهو بيزوغ من الطابور، ولا يشتكي من الفساد وهو بيدور على واسطة، ولا يتكلم عن الأخلاق وهو بينشر شائعة، ولا يدافع عن الدين وهو بيؤذي خلق الله، ولا يلعن الطبقية وهو بيقيس قيمة الناس بما يملكون.
أزمتنا مش إننا ما بقيناش عارفين الصح من الغلط. إحنا في الغالب عارفين ده كويس، لكننا بقينا نبرر لنفسنا الغلط نفسه اللي بندينه عند غيرنا.
يمكن أول خطوة للنجاة إننا نبطل نسأل: «إحنا بقينا كده ليه؟» أو «وصلنا لكده إزاي؟»، ونبدأ نسأل: أنا شخصيا ساهمت في اللي إحنا وصلنا له بإيه؟
المجتمع مش كائن افتراضي عايش بعيد عننا. المجتمع هو أنا وأنت، وتصرفاتنا الصغيرة اللي بنكررها كل يوم. ولو كان التدهور بدأ من التفاصيل الصغيرة، فالإصلاح كمان مش هيبدأ إلا منها.
إحنا مش محتاجين مباني أجمل بس، لكن محتاجين إنسان أصدق.
مش محتاجين طرق أوسع بس، لكن محتاجين ضمائر تمنعنا من كسر الطريق على بعض.
مش محتاجين مظاهر تدين أكتر، لكن محتاجين رحمة وعدل وأمانة.
مش محتاجين صورة أجمل على الشاشة، بقدر ما نحتاج حياة حقيقية تستحق إننا نعيشها.
هل لسه فيه أمل؟
الأمل موجود طول ما إحنا قادرين نشوف العيب ونعترف بيه.
لكن هل عندنا الشجاعة نصلح نفسنا، قبل ما نكتفي باتهام البلد والناس وأي سبب موجود برانا؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق