بقلم الدكتورة: أمينه درغام
في عالمٍ أصبح فيه الهاتف رفيقنا الدائم، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت مساحة نتعلم منها، ونكوّن من خلالها آراءنا، ونشارك فيها تفاصيل من حياتنا.
نستيقظ على إشعار، وننام على شاشة، وبينهما يمر كثير من الوقت دون أن نشعر.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، أم أنها تستخدم وقتنا وانتباهنا؟
الوعي يبدأ من الاختيار
الوعي الرقمي لا يعني الابتعاد عن التكنولوجيا، بل يعني استخدامها بذكاء.
أن نعرف ماذا نتابع، وماذا نصدق، وماذا ننشر، ومتى نتوقف.
فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يحظى بملايين المشاهدات يستحق أن نمنحه ثقتنا. لذلك، قبل مشاركة أي خبر أو معلومة، علينا أن نتوقف لحظة ونسأل: ما المصدر؟ وهل المعلومة صحيحة؟
فالكلمة التي ننشرها قد تصل إلى آلاف الأشخاص، ولذلك فإن المشاركة مسؤولية وليست مجرد ضغطة زر.
لا تقارن حياتك بما تراه
من أخطر آثار وسائل التواصل الاجتماعي أنها تجعلنا نقارن حياتنا الواقعية بالصور المثالية التي يعرضها الآخرون.
نرى النجاح ولا نرى التعب، ونرى اللحظة الجميلة ولا نرى ما سبقها من صعوبات.
لذلك، لا تجعل ما تراه على الشاشة مقياسًا لقيمتك أو نجاحك.
فأنت ترى من حياة الآخرين ما اختاروا أن يعرضوه، بينما تعيش من حياتك تفاصيلها كلها.
خلف كل شاشة إنسان
الوعي الرقمي أخلاق أيضًا.
خلف كل حساب إنسان له مشاعر وكرامة، ولذلك يمكننا أن نختلف دون إساءة، وننتقد دون تجريح، ونناقش دون تنمر.
كما أن حماية الخصوصية جزء أساسي من الوعي؛ فليس كل ما نعيشه يجب أن ننشره، وليس كل ما نعرفه يحق لنا أن نكشفه.
أحيانًا يكون عدم النشر... هو القرار الأكثر وعيًا.
اجعل التكنولوجيا تخدمك
يمكن للهاتف أن يكون وسيلة للتعلم والعمل وصناعة المعرفة، كما يمكن أن يتحول إلى مصدر للتشتت وإهدار الوقت.
والفرق تحدده طريقة استخدامنا له.
لذلك، من المفيد أن نحدد وقتًا للتصفح، ونوقف الإشعارات غير الضرورية، ونختار المحتوى الذي يضيف إلى حياتنا، ونمنح أنفسنا أوقاتًا نعيش فيها بعيدًا عن الشاشة.
فالمطلوب ليس أن نترك التكنولوجيا، وإنما أن نستعيد السيطرة على وقتنا وانتباهنا.
وفي الختام
في عصر تتدفق فيه المعلومات إلى عقولنا بلا توقف، أصبح الوعي الرقمي ضرورة، لا رفاهية.
فـبناء الإنسان أولًا يعني أن نبني إنسانًا يفكر قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويحترم قبل أن يعلّق، ويعرف متى يستخدم التكنولوجيا ومتى يضعها جانبًا.
لا تجعل الشاشة تختار لك ما ترى، ولا الخوارزميات تحدد لك ما تفكر فيه، ولا عدد الإعجابات يحدد قيمتك.
استخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف إلى حياتك... لا لتسرقها.
فالوعي الرقمي الحقيقي ليس أن تكون حاضرًا على الشاشة طوال الوقت، بل أن تعرف متى تكون حاضرًا في الحياة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق