بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
لم تعد المخاطر الصحية التي تهدد العالم مرتبطة فقط بالأمراض المعروفة، وإنما أصبح ظهور حالات جديدة وانتقال العدوى بطرق غير واضحة يمثل جرس إنذار يستوجب أعلى درجات اليقظة والاستعداد. وما أُثير مؤخرًا بشأن تسجيل العديد من الوفيات بسبب فيروس إيبولا ووجود أشخاص غير مدرجين على قوائم المخالطين المعروفين، مع الحديث عن سلاسل انتقال للعدوى لم يتم تحديدها بعد، يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول قدرة الأنظمة الصحية على تعقب مصادر العدوى والسيطرة عليها في الوقت المناسب.
فيروس إيبولا ليس مجرد اسم لمرض عابر، بل هو من الأمراض الفيروسية شديدة الخطورة التي أثبتت تجارب سابقة أنها قادرة على إحداث أزمات صحية واسعة عندما تتأخر عمليات الاكتشاف والعزل وتتبع المخالطين. ولذلك فإن أي مؤشرات على وجود انتقال غير مفهوم للعدوى يجب ألا تُقابل بالانتظار، وإنما بالتعامل معها باعتبارها إنذارًا صحيًا يستوجب التحرك المبكر.
والأخطر في الأمر هو وجود حالات لا يمكن ربطها بشكل واضح بالمخالطين المعروفين، لأن تتبع سلسلة العدوى يمثل أحد أهم الأسلحة في مواجهة الأمراض المعدية. فإذا ظهرت حالة جديدة دون معرفة مصدر انتقالها، فإن ذلك يعني أن هناك حلقة مفقودة تحتاج إلى البحث والتحقق، وقد تكون وراءها مخالطة لم يتم اكتشافها أو لم يتم الإبلاغ عنها أو لم تكن معروفة للجهات الصحية.
وهنا تظهر أهمية الدور الذي تقوم به منظمة الصحة العالمية والجهات الصحية الوطنية في الرصد والتحليل وتبادل المعلومات، لأن الأوبئة لا تعترف بالحدود الجغرافية، وما يبدأ في منطقة محددة يمكن أن يتحول إلى أزمة إقليمية أو دولية إذا لم تتم السيطرة عليه في بدايته.
كما أن مواجهة إيبولا لا تقع على عاتق الأطباء والمستشفيات وحدهم، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من المواطن، مرورًا بالأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، وصولًا إلى المؤسسات الصحية والأجهزة المختصة. فالتوعية الصحيحة تمنع الشائعات، والإبلاغ المبكر عن الأعراض أو حالات الاشتباه يساعد في سرعة التعامل معها، والالتزام بالتعليمات الطبية يقلل من احتمالات انتقال العدوى.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون هناك شفافية في إعلان المعلومات الصحية المؤكدة، بعيدًا عن التهويل أو إخفاء الحقائق. فالمواطن من حقه أن يعرف حقيقة المخاطر التي تحيط به، وكيف يحمي نفسه وأسرته، وما الإجراءات الواجب اتباعها، خصوصًا في ظل سرعة انتشار الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن الحق في الصحة والحماية من الأوبئة يتطلبان استعدادًا حقيقيًا وقدرة على الوصول السريع إلى الرعاية الطبية والمعلومات الموثوقة. ولا يجوز أن تتحول الأزمات الصحية إلى مساحة للفوضى أو التمييز أو نشر الرعب بين المواطنين، بل يجب أن يكون التعامل معها قائمًا على العلم والقانون والإنسانية.
ونحن أمام هذا النوع من الأخبار، فإن الرسالة الأهم ليست نشر الخوف، وإنما رفع مستوى الوعي والاستعداد. فالأمراض المعدية يمكن مواجهتها عندما تتوافر الإرادة، والمعلومة الدقيقة، والرقابة الصحية، وسرعة اكتشاف الحالات، والتعاون بين الدول والمؤسسات العلمية والطبية.
إن العالم اليوم يحتاج إلى نظام إنذار صحي لا ينتظر وقوع الكارثة حتى يتحرك. وأي حديث عن سلاسل انتقال غير معروفة للعدوى يجب أن يكون دافعًا لتكثيف التقصي الوبائي، وتوسيع عمليات تتبع المخالطين، ودعم العاملين في القطاع الصحي، وتوفير الإمكانات اللازمة للتشخيص والعزل والرعاية.
وفي النهاية، فإن حماية الإنسان مسؤولية جماعية، ومواجهة أي تفشٍ مرضي تبدأ بالمعلومة وتنتهي بالتعاون. ومن هنا نوجه رسالة إلى جميع الجهات الصحية المختصة: لا تنتظروا اكتمال الصورة إذا كانت هناك حلقات مجهولة في سلسلة العدوى؛ ابحثوا عنها، راقبوها، وحاصروا الخطر قبل أن يتسع نطاقه. فالأمن الصحي جزء لا يتجزأ من أمن المجتمع، والوقاية دائمًا أقل كلفة من مواجهة كارثة كان يمكن منعها.
ملحوظة تحريرية: المقال مبني على مضمون الخبر الظاهر في الصورة المرسلة، ولا يفترض صحة كل تفاصيله إلا باعتبارها معلومات منسوبة إلى المصدر المنشور.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق