بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
لم تعد الصحة النفسية قضية هامشية يمكن تأجيل الحديث عنها أو وضعها في آخر قائمة اهتمامات المجتمع، فالأرقام التي يتم تداولها حول الإقبال الكبير على خدمات العلاج النفسي تفرض علينا التوقف أمام واقع يحتاج إلى قراءة جادة ومسؤولة. وما نُسب إلى مدير مستشفى العباسية للصحة النفسية من استقبال نحو 400 مريض يوميًا بالعيادات الخارجية، وفق ما يظهر في الصورة المرسلة، يكشف حجم الطلب المتزايد على خدمات الدعم والعلاج النفسي.
وراء كل مريض من هؤلاء قصة إنسانية قد لا يعرفها أحد؛ أسرة تعاني، وأب أو أم يبحثان عن المساعدة، وشاب ربما يخوض معركة داخلية لا يستطيع التعبير عنها، وطفل قد يحمل ضغوطًا أكبر من قدرته على الاحتمال. ولذلك فإن التعامل مع المرض النفسي باعتباره ضعفًا أو عيبًا اجتماعيًا هو ظلم للإنسان، وتأخير لطلب المساعدة قد يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا.
الأرقام ليست مجرد أرقام. فعندما تصل أعداد المترددين على العيادات النفسية إلى مستويات كبيرة، فإن ذلك يستوجب التوسع في الخدمات الصحية والنفسية، وزيادة أعداد المتخصصين، وتطوير العيادات، وتسهيل الوصول إلى العلاج، مع توفير بيئة تحفظ للمريض كرامته وخصوصيته وحقوقه الإنسانية.
وهنا تأتي مسؤولية الأسرة في المقام الأول؛ فالكلمة الطيبة والاستماع الجيد وعدم السخرية من مشاعر الأبناء قد تكون بداية حقيقية للإنقاذ. وليس من المقبول أن ينتظر الأب أو الأم وصول الابن إلى مرحلة الانهيار حتى يبدأ البحث عن المتخصصين، فالتدخل المبكر في كثير من الحالات أكثر فاعلية وأقل كلفة على الفرد والأسرة والمجتمع.
كما أن المدرسة لها دور لا يقل أهمية عن الأسرة، خصوصًا في ظل الضغوط التي يتعرض لها الأطفال والمراهقون. فالمعلم ليس طبيبًا نفسيًا، لكنه يستطيع ملاحظة التغيرات السلوكية الواضحة، وتوجيه الأسرة إلى طلب المساعدة المتخصصة بدلًا من التعامل مع المشكلة بالعقاب أو الإهمال أو الاتهام.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت سلاحًا ذا حدين؛ فهي تتيح نشر الوعي والوصول إلى المعلومات والخدمات، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغوط النفسية من خلال المقارنات المستمرة والتنمر والشائعات وصناعة صورة وهمية عن الحياة. ومن هنا يجب أن تتحول المنصات الإعلامية إلى مساحة حقيقية للتوعية بالصحة النفسية، وليس فقط إلى وسيلة للترفيه وإثارة الجدل.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن العلاج النفسي حق إنساني وصحي، والمريض النفسي لا يفقد كرامته أو حقوقه بسبب حالته. بل إن حماية خصوصيته، واحترامه، وتوفير الرعاية المناسبة له، ومنع التنمر والوصم الاجتماعي عنه، كلها مسؤوليات يجب أن تتشارك فيها الدولة والأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمع المدني.
وهنا نطالب الجهات الصحية المختصة بوضع قضية الصحة النفسية ضمن الأولويات، والعمل على زيادة الطاقة الاستيعابية للعيادات والمراكز المتخصصة، وتوفير برامج للدعم النفسي المبكر، خصوصًا للأطفال والشباب، مع التوسع في حملات التوعية التي تشجع المواطن على طلب المساعدة دون خوف أو خجل.
كما يجب أن نعمل على تغيير الثقافة المجتمعية تجاه المريض النفسي. ليس كل من يطلب المساعدة النفسية "مجنونًا"، وليس كل من يمر بأزمة نفسية ضعيفًا. الإنسان قد يمرض جسديًا فيذهب إلى الطبيب، وقد يمر باضطراب أو أزمة نفسية فيحتاج إلى متخصص، وفي الحالتين نحن أمام إنسان يحتاج إلى الرعاية لا إلى الإدانة.
وفي النهاية، فإن ما تعكسه الأرقام المتداولة عن حجم الإقبال على العيادات النفسية يجب أن يكون دعوة للتحرك وليس سببًا للخوف. فالمجتمع الذي يعترف بمشكلاته ويواجهها بالعلم والتوعية والعلاج هو مجتمع أكثر قدرة على حماية أبنائه.
رسالتنا واضحة: الصحة النفسية ليست رفاهية، والعلاج النفسي ليس عيبًا، وطلب المساعدة ليس ضعفًا. وإذا كان هناك بالفعل إقبال بهذا الحجم على خدمات مستشفى العباسية، فهذه رسالة تستحق أن تُسمع جيدًا: اهتموا بالإنسان قبل أن يصل إلى نقطة الانهيار، واحموا كرامته قبل أن تضطره الأزمة إلى طلب النجدة.
> تنويه تحريري: رقم 400 مريض يوميًا والمعلومات الواردة في العنوان مبنية على التصريح الظاهر في الصورة التي أرسلتِها، والمنسوب إلى مدير مستشفى العباسية للصحة النفسية، وليست نتيجة تحقق مستقل مني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق