الخميس، 3 سبتمبر 2026

هذا المقال يوضح أن الصدمة والظروف القاسية لا تصنع النتيجة نفسها عند الجميع؛ فقد تكون نقطة انطلاق لبناء إنسان أقوى، وقد تكون سببًا في الانكسار إذا لم يجد الإنسان القدرة أو الدعم على تجاوزها.


الصدمة النفسية.. إما أن تصنع منك إنسانًا جديدًا أو تهدم ما تبقى منك

بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان.

هناك مواقف في الحياة لا تمر على الإنسان مرورًا عابرًا، بل تترك داخله أثرًا عميقًا، وكأنها نقطة فاصلة بين شخص كان يعيش قبلها، وشخص آخر وُلد بعدها. قد تكون صدمة، أو خذلانًا، أو فقدًا، أو تجربة قاسية، أو موقفًا كشف للإنسان حقيقة أشخاص أو أشياء كان يضع فيها ثقته وأمانه.

والغريب أن الموقف نفسه قد يمر على شخصين، فيخرج أحدهما منه أكثر قوة وإصرارًا وطموحًا، بينما يخرج الآخر محطمًا، فاقدًا للشغف، رافضًا للحياة، ومهملاً لنفسه ومستقبله. وهنا تظهر حقيقة مهمة: ليست الصدمة وحدها هي التي تحدد مصير الإنسان، وإنما الطريقة التي يستجيب بها لها.

هناك إنسان عندما تصفعه الحياة، يتوقف للحظة، يتألم، وربما يبكي، لكنه في النهاية يسأل نفسه: ماذا تعلمت؟ وكيف أبدأ من جديد؟ فيحوّل وجعه إلى دافع، وخسارته إلى خبرة، وخذلانه إلى وعي، ويقرر ألا يسمح للموقف الذي كسره يومًا بأن يتحكم في بقية حياته.

هذا الإنسان يبدأ في إعادة بناء نفسه من الداخل؛ يغير أفكاره، ويراجع اختياراته، ويعيد ترتيب أولوياته، ويكتشف قدرات لم يكن يعرف أنها موجودة بداخله. ومع مرور الوقت، يصبح أكثر قوة ونضجًا، ويصنع مكانته بنفسه، لا انتظارًا لمن يرفع قدره، ولا اعتمادًا على من يمنحه الفرصة.

وفي المقابل، هناك شخص آخر يعيش الصدمة وكأنها حكم نهائي عليه. يظل أسيرًا للموقف، يعيد تفاصيله كل يوم، ويبحث عن أسباب فشله في الآخرين، ثم يبدأ تدريجيًا في إهمال نفسه وعمله وعلاقاته وطموحاته. يتحول الحزن إلى يأس، واليأس إلى إحباط، والإحباط إلى سلوك سلبي ينعكس على كل من حوله.

والأخطر أن الإنسان المحبط قد لا يكتفي بتحطيم نفسه، بل يبدأ في تحطيم كل شيء جميل بجانبه؛ فيرفض نجاح الآخرين، ويشكك في نواياهم، ويستسلم للغضب، ويصبح وجوده مصدرًا للتوتر بدلًا من أن يكون مصدرًا للأمان والدعم. وهنا لا تعود المشكلة في الصدمة التي تعرض لها، وإنما في السماح لها بأن تتحول إلى شخصية جديدة مؤذية لنفسها ولغيرها.

إن النفس البشرية لا تسير على طريق واحد بعد الأزمات. فهناك من يرى في الألم درسًا، وهناك من يراه نهاية الطريق. وهناك من يقول: سأثبت لنفسي وللحياة أنني قادر على النهوض، وهناك من يقول: انتهى كل شيء ولن أحاول مرة أخرى.

ولهذا فإن الوعي النفسي والمساندة الإنسانية أمران بالغا الأهمية بعد الصدمات. كلمة صادقة، أو شخص يسمع دون أن يحكم، أو أسرة تحتوي أبناءها، أو صديق يمد يده في الوقت المناسب، قد تكون سببًا في إنقاذ إنسان من الاستسلام واليأس، ودفعه إلى بداية جديدة.

ليس المطلوب من الإنسان أن يتظاهر بالقوة طوال الوقت، ولا أن يخفي ألمه أو ينكر مشاعره. القوة الحقيقية ليست في ألا نتألم، وإنما في ألا نجعل الألم يتحول إلى هوية دائمة لنا. فمن حق الإنسان أن يحزن، وأن يتعب، وأن يأخذ وقته، لكن عليه في النهاية أن يبحث عن الطريق الذي يعيده إلى نفسه.

فالحياة لا تضمن لنا ألا نتعرض للخذلان أو الفقد أو الصدمات، لكنها تمنحنا في كل مرة فرصة لإعادة اكتشاف أنفسنا. وقد تكون أقسى مرحلة في حياتك هي المرحلة التي تكتشف فيها قوتك الحقيقية، وقد يكون الشخص الذي ظننت أن وجوده كان نهاية عالمك هو السبب غير المباشر في أن تبدأ عالمًا جديدًا أكثر نضجًا وقوة.

وفي النهاية، الصدمة قد تكسر الإنسان، وقد تعيد تشكيله. والفرق ليس في حجم الألم دائمًا، وإنما في القرار الذي يأتي بعده: هل نستسلم لما حدث، أم ننهض ونصنع من أنفسنا نسخة أقوى؟

فلا تجعل موقفًا واحدًا يختصر حياتك، ولا تجعل خذلانًا واحدًا يحدد قيمتك، ولا تسمح لأحد أن يقنعك بأنك انتهيت. أحيانًا تكون النهاية التي ظننتها سقوطًا، هي في الحقيقة بداية لإنسان جديد يصنع مكانته بيده، ويعرف قيمته، ويواصل طريقه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot