خلال الأيام الأخيرة، عادت أسعار الطاقة إلى الضغط على الاقتصاد العالمي، ودفع ارتفاع أسعار النفط البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة للمرة الثانية هذا العام، مع تحذيرات من أن التضخم قد يستمر لفترة أطول مما كان متوقعًا.
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن ارتفاع النفط لا يعني فقط أن البنزين أصبح أغلى.
النفط يدخل في تكلفة النقل، والكهرباء، والصناعة، والبتروكيماويات، والتغليف، والخدمات اللوجستية، والسفر، والغذاء.
أي أن ارتفاع الطاقة يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى ارتفاع في تكلفة الحياة كلها.
وهذا يضع البنوك المركزية أمام معادلة شديدة الصعوبة:
إذا رفعت الفائدة لمحاربة التضخم، أصبح الاقتراض أكثر تكلفة وتباطأ الاستثمار.
وإذا خفضت الفائدة رغم ارتفاع الأسعار، فقد يستمر التضخم فترة أطول.
ولهذا فإن ما يحدث في أوروبا ليس خبرًا أوروبيًا فقط.
العالم كله أصبح مترابطًا بصورة تجعل قرارًا يتعلق بالطاقة في منطقة ما ينتقل أثره إلى أسعار السلع والتمويل والنقل في مناطق أخرى.
ومصر تحديدًا لا يمكنها أن تنظر إلى هذه التطورات باعتبارها بعيدة عنها.
لأن اقتصادها يحتاج إلى إدارة دقيقة للعملة الأجنبية، والطاقة، والاستيراد، والتمويل، في الوقت نفسه.
والخبر الجيد أن الاقتصاد المصري أصبح لديه بعض مصادر الدعم المهمة؛ فقد سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج نحو 34.9 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026، كما ارتفعت إيرادات السياحة خلال الفترة نفسها إلى نحو 14.4 مليار دولار.
لكن المشكلة أن الاقتصاد لا يعيش على المؤشرات الإيجابية وحدها.
فارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يعني أن تكلفة الاستيراد قد ترتفع.
وارتفاع الفائدة عالميًا يعني أن الحصول على التمويل قد يصبح أكثر صعوبة.
وتوتر الأسواق يعني أن المستثمر يصبح أكثر حذرًا قبل ضخ أمواله.
وهنا تظهر أهمية أن يكون الاقتصاد قادرًا على امتصاص الصدمات، وليس فقط تحقيق النمو عندما تكون الظروف مواتية.
وهذا يعيدنا إلى سؤال أكبر:
هل نقيس قوة الاقتصاد بمعدل النمو فقط؟
أم بقدرته على التعامل مع أزمة مفاجئة دون أن يدفع المواطن والمستثمر الثمن كاملًا؟
القوة الاقتصادية الحقيقية تظهر عندما ترتفع تكلفة الطاقة، وتتغير أسعار الفائدة، وتضطرب سلاسل الإمداد، وتظل الدولة قادرة على حماية استقرارها المالي، ويظل القطاع الخاص قادرًا على الاستثمار والعمل.
العالم اليوم لا يعيش أزمة واحدة.
إنه يعيش اقتصادًا سريع التغير، تتداخل فيه الحروب مع الطاقة، والطاقة مع التضخم، والتضخم مع الفائدة، والفائدة مع الاستثمار.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة لن تكون الأفضل بالضرورة لمن يملك أكبر قدر من المال.
بل لمن يملك أكبر قدر من المرونة.
ففي الاقتصاد الجديد
لم يعد السؤال: كم تستطيع أن تربح عندما تسير الأمور جيدًا؟
بل أصبح السؤال الأهم:
كم تستطيع أن تتحمل عندما لا تسير الأمور كما توقعت؟
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق