الأحد، 13 سبتمبر 2026

ماذا يحدث عندما نحاول أن نحل مشكلة قديمة بتكنولوجيا جديدة؟

ماذا يحدث عندما نحاول أن نحل مشكلة قديمة بتكنولوجيا جديدة؟
قد تبدو الإجابة سهلة:
نضع آلات ذكية في الشوارع،
نطلب من الناس إلقاء العبوات فيها،
ونمنحهم حافزًا مقابل كل عبوة.
وبذلك نكون قد بدأنا بناء منظومة حديثة لإعادة التدوير.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

القاهرة لديها منظومة قائمة منذ عقود لجمع وفرز وإعادة تدوير المخلفات، تعتمد بدرجة كبيرة على جامعي القمامة التقليديين الذين بنوا شبكة ضخمة من العمل والخبرة والعلاقات حول هذه العملية.

وعندما ظهرت مؤخرًا مبادرات تستخدم آلات آلية لاسترداد العبوات مقابل حوافز، ظهر اعتراض طبيعي من العاملين في المنظومة القديمة، خوفًا من أن تتحول التكنولوجيا الجديدة إلى بديل عن مصدر رزقهم. وانتهى الجدل إلى محاولة دمج هؤلاء العاملين في المنظومة الجديدة بدلًا من استبعادهم.
وهنا توجد قصة أكبر من القمامة.
إنها قصة التحول الاقتصادي نفسه.
كثيرًا ما نتصور أن التطوير يعني استبدال القديم بالجديد.
لكن هذا ليس صحيحًا دائمًا.

في بعض الأحيان، النجاح الحقيقي لا يأتي من هدم المنظومة القائمة، بل من معرفة كيف نطورها ونضيف إليها التكنولوجيا.

لأن التكنولوجيا قد تكون ممتازة في جمع البيانات، وفرز المواد، وتقديم الحوافز، ورفع كفاءة التشغيل.
لكنها لا تعرف وحدها كيف تتعامل مع الأحياء والشوارع والمحال والمصانع والعملاء.
ولا تستطيع أن تلغي في يوم واحد شبكة كاملة من البشر تعمل منذ سنوات.
وهذا ينطبق على قطاعات كثيرة.

في النقل، لا يكفي إطلاق تطبيق إذا لم تفهم كيف يعمل السائقون والركاب.
في التجارة، لا يكفي إنشاء منصة إلكترونية إذا تجاهلت شبكة التجار والموزعين.
وفي الخدمات المالية، لا يكفي إطلاق تطبيق مصرفي إذا لم تفهم سلوك العميل.

التحول الرقمي لا يعني أن نضع التكنولوجيا فوق الاقتصاد القديم ونطلب منه أن يختفي.
التحول الناجح هو أن نستخدم التكنولوجيا لجعل الاقتصاد الموجود أكثر كفاءة.

وهنا يمكن أن تتحول مشكلة المخلفات نفسها إلى صناعة ضخمة.
مخلفات بلاستيكية يمكن أن تصبح مواد خام.
مخلفات عضوية يمكن أن تتحول إلى سماد أو طاقة.
مخلفات إلكترونية تحتوي على معادن ذات قيمة.
والتدوير يمكن أن يخلق شركات جديدة، ووظائف جديدة، وسلاسل توريد جديدة.
لكن لكي يحدث ذلك، نحتاج إلى التفكير في المخلفات باعتبارها موردًا اقتصاديًا، لا مجرد شيء نريد التخلص منه.

وهنا تظهر فرصة مهمة جدًا لمصر.
بدلًا من أن ندفع تكلفة جمع المخلفات ونقلها ودفنها، لماذا لا نسأل:
كم تبلغ قيمة المواد الموجودة داخل هذه المخلفات؟
وكم يمكن أن نعيد إلى الاقتصاد منها؟
وكم شركة يمكن أن تنشأ حول جمعها وفرزها ومعالجتها؟
وكم وظيفة يمكن أن تخلقها؟
المشكلة ليست أن لدينا قمامة كثيرة فقط.

المشكلة أننا في كثير من الأحيان لا ننظر إليها باعتبارها سلسلة قيمة لم تُستغل بالكامل بعد.
والدرس الأهم من هذه القصة يتجاوز إعادة التدوير:
التكنولوجيا لا تنجح عندما تحل محل الإنسان فقط.
تنجح عندما تجعل الإنسان والمنظومة الموجودة أكثر كفاءة.

وهذا هو الفرق بين اختراع جديد
وتغيير اقتصادي حقيقي.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot