بقلم د/ إيناس حلمي عبد السلام
أخصائي الإرشاد الأسري والصحة النفسية
التعافي بعد الصدمة
لماذا لا ينجح البعض رغم محاولاتهم المستمرة؟
في عالمٍ يتنفس «الإيجابية السامة»، يُحاصَر الإنسان العادي بعشرات النصائح الجاهزة:
«تجاوز الأمر»، «انسَ الماضي»، «ابدأ صفحة جديدة».
ورغم ذلك، يجد آلاف الأشخاص أنفسهم يدورون في نفس الحلقة المفرغة؛ يحاولون بجدية، يقرأون عن التعافي، يمارسون الإمتنان ، ومع ذلك تظل الندوب تنزف عند أول اختبار حقيقي.
فهل المشكلة في عدم رغبتهم بالشفاء؟ أم أننا نفهم "التعافي" بشكل خاطئ من الأساس؟
1- وهم «التعافي السريع» والإيجابية الزائفة
أكبر خطأ يقع فيه من يحاول التعافي هو التعامل مع الألم النفسي كأنه "مهمة" يجب إنجازها سريعاً.
الصدمة ليست نزلة برد تتلاشى مع الوقت، بل هي إعادة تشكيل لجهازك العصبي.
محاولة القفز فوق الألم برفع شعارات إيجابية لا تلغي الصدمة، بل تدفنها حية تحت السطح، لتعود وتتفجر على شكل قلق غير مبرر، أو أعراض جسدية مبهمة، أو نوبات غضب مفاجئة.
2 - الصدمة تُخزن في الجسد.. لا في العقل فقط
السبب الرئيسي لفشل المحاولات النظرية هو الاعتماد الكلي على «التفكير العقلاني».
يمكنك أن تفهم أسباب صدمتك منطقياً بنسبة 100%، لكن جهازك العصبي ما زال يشعر بالتهديد.
عندما تحدث الصدمة، يحتفظ الجسد بالردود الدفاعية المكبوتة (المواجهة، الهرب، أو التجمد).
طالما أن الجسد لم يشعر بالأمان التام، ستظل محاولات التفكير الإيجابي مجرد مسكنات مؤقتة.
3. التعلق بدور «الضحية» دون وعي
قد تبدو هذه النقطة قاسية، لكن النفس البشرية تميل أحياناً إلى ما هو "مألوف" حتى لو كان مؤلماً.
بعد فترة طويلة من التعايش مع الصدمة، يصبح الألم جزءاً من الهوية.
الخوف من الشفاء يكمن في السؤال المرعب: «من سأكون إذا شفيت؟ كيف سيعاملني الآخرون إذا لم أعد الشخص الذي يعاني؟». العقل يفضل أحياناً المعاناة التي يعرفها على المستقبل الذي يجهله.
4. البحث عن الشفاء في نفس البيئة التي أذتك
لا يمكنك التماثل للشفاء في نفس البيئة التي جعلتك تمرض.
يستهلك الكثيرون طاقتهم في محاولة التعافي بينما هم ما زالوا على تماس مباشر مع مصادر الصدمة سواء كانت علاقات سامة، أو بيئات عمل مستغلة، أو أنماط حياة تضغط على أعصابهم باستمرار.
الاستمرار في استنزاف الطاقة يمنع الجسد والعقل من البناء من جديد.
5- محاولة الشفاء «مفردك»
الإنكار والاستقلالية المفرطة "أنا أستطيع تجاوز كل شيء بمفردي" هي في حد ذاتها عرض من أعراض الصدمة. الصدمات غالباً ما تحدث داخل علاقات (خذلان، إساءة، إهمال)، وبالتالي فإن التعافي الحقيقي يحتاج إلى مساحات آمنة داخل علاقات صحية بديلة، أو الاستعانة بمتخصصين يمتلكون الأدوات الصحيحة لتفكيك العقدة بدون تسريع أو ضغط.
عزيزي
التعافي ليس خطاً مستقيماً يتصاعد نحو الأعلى، بل هو مسار مليء بالانتكاسات المنطقية.
الشفاء لا يعني ألا تتألم مجدداً، بل يعني أن تتوقف الصدمة عن قيادة حياتك وتحديد قراراتك.
إذا كنت تحاول ولا تنجح، فربما لا تحتاج إلى "مزيد من المحاولة" ، بل إلى تغيير «طريقة الشفاء» نفسها:
ارحم نفسك، اسمح لألمك بالظهور، وابدأ بالتعامل مع جسدك وعقلك كحليفين يحتاجان إلى الأمان.. لا إلى أوامر بالتعافي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق