بقلم استاذ/محمد جلال
كل عام، ومع اقتراب المولد النبوي الشريف، يتجدد نفس السؤال:
هل الاحتفال بمولد النبي ﷺ بدعة لم يفعلها الرسول ولا الصحابة؟ أم أنه مناسبة مشروعة للتعبير عن محبة النبي والفرح بمولده؟
الحقيقة أن المسألة ليست بهذه البساطة، فهي من المسائل التي وقع فيها خلاف بين العلماء، ولكل فريق أدلته وطريقته في فهم النصوص.
الفريق الذي يرى أن الاحتفال بالمولد بدعة يستند إلى أن النبي ﷺ لم يحتفل بمولده، ولم يأمر أصحابه بذلك، ولم يُعرف عن الصحابة والتابعين أنهم جعلوا يوم مولده مناسبة سنوية للاحتفال. ومن هذا المنطلق يقولون: إن العبادات لا تُشرع بالعادة أو المحبة فقط، وإنما تحتاج إلى دليل.
وفي المقابل، يرى علماء آخرون أن الاحتفال بالمولد إذا كان عبارة عن قراءة القرآن، وذكر سيرة النبي ﷺ، والصلاة عليه، وإطعام الطعام، والتذكير بأخلاقه وسنته، فهو من الأعمال المشروعة التي تدخل تحت أصول عامة في الشريعة، وليس عبادة جديدة مستقلة.
وتتبنى دار الإفتاء المصرية هذا الرأي، وتعتبر الاحتفال بالمولد من الأمور المندوبة إذا كان في إطار الطاعات والمباحات، مستندة من بين ما تستند إليه إلى حديث صيام النبي ﷺ يوم الاثنين وقوله: «ذلك يوم وُلدت فيه»، باعتباره شكرًا لله على نعمة الميلاد.
لكن هنا نقطة مهمة جدًا...
محبة النبي ﷺ ليست مرتبطة بيوم واحد.
فمن أحب رسول الله، فالمحبة الحقيقية تظهر في أخلاقه، وفي صدقه، وفي رحمته بالناس، وفي التزامه بسنته، وفي صلاته عليه، وفي الدفاع عن سيرته بالحكمة، وفي الاقتداء به في حياته اليومية.
وكذلك من يرى عدم مشروعية الاحتفال بالمولد لا يعني بالضرورة أنه لا يحب النبي ﷺ، كما أن من يحتفل بالمولد لا يعني بالضرورة أنه ابتدع في الدين؛ فالمسألة خلافية، والخلاف فيها قديم، ولا ينبغي أن تتحول إلى معركة بين المسلمين.
والأهم من الاحتفال نفسه هو ماذا نفعل في هذا الاحتفال؟
فإذا كان المولد مجلسًا نتعلم فيه سيرة النبي، ونتذكر رحمته وعدله وصبره، ونطعم الفقراء، ونصل أرحامنا، ونكثر من الصلاة عليه، فهذا معنى جميل ومقصد نبيل.
أما إذا تحول الأمر إلى إسراف، أو مخالفات شرعية، أو تعظيم يخرج عن حدود ما شرعه الله، فهنا يجب التوقف عند هذه الأفعال نفسها، لأن محبة النبي ﷺ لا تكون بمخالفته.
وفي النهاية، سواء اخترت القول الذي يرى مشروعية الاحتفال، أو أخذت بقول من يرى أنه بدعة، فلا تجعل اختلافك في المسألة سببًا للكراهية والخصومة.
النبي ﷺ الذي نختلف باسمه اليوم، علّمنا أن تكون المحبة أخلاقًا قبل أن تكون كلمات.
فالمولد الحقيقي ليس مجرد حلوى أو زينة أو احتفال...
المولد الحقيقي أن يولد فينا خُلق محمد ﷺ من جديد.
وأن نخرج من ذكرى مولده أكثر رحمة، وأكثر صدقًا، وأكثر إنسانية، وأكثر تمسكًا بسنته.
فهنا تصبح ذكرى المولد وسيلة لتجديد المحبة والاقتداء، لا مجرد مناسبة تمر علينا كل عام ثم تنتهي.
والله أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق