بقلم د/أماني عريان شفيق
اضطراب طيف التوحد هو أحد الاضطرابات النمائية التي تظهر في مرحلة الطفولة المبكرة، ويؤثر بصورة أساسية في التواصل والتفاعل الاجتماعي، إلى جانب وجود أنماط متكررة أو اهتمامات وسلوكيات محددة. ويُطلق عليه «طيف» لأن أعراضه ودرجات تأثيره تختلف بشكل كبير من طفل إلى آخر.
كيف يظهر التوحد؟
قد تظهر علامات التوحد في السنوات الأولى من عمر الطفل، وقد تكون بسيطة في بعض الحالات أو أكثر وضوحًا في حالات أخرى. ومن أبرز العلامات:
- ضعف التواصل البصري أو عدم استخدامه بصورة مناسبة.
- تأخر الكلام أو غيابه.
- عدم الاستجابة للاسم في بعض المواقف.
- صعوبة في بدء التفاعل مع الآخرين أو الاستمرار فيه.
- صعوبة فهم الإشارات الاجتماعية وتعبيرات الوجه.
- تكرار بعض الحركات مثل رفرفة اليدين أو الدوران.
- التعلق الشديد بروتين معين وصعوبة تقبل التغيير.
- وجود اهتمامات محددة ومكثفة.
- حساسية زائدة أو منخفضة تجاه الأصوات أو الضوء أو اللمس أو بعض الملمسات.
- اختلاف طريقة اللعب والتفاعل مع الألعاب والأشخاص.
وجود علامة واحدة لا يعني أن الطفل مصاب بالتوحد، ولذلك لا ينبغي الاعتماد على الملاحظة المنزلية وحدها في التشخيص.
لماذا يختلف الأطفال المصابون بالتوحد عن بعضهم؟
التوحد ليس حالة واحدة متطابقة لدى جميع الأطفال. فقد نجد طفلًا لديه لغة جيدة لكنه يعاني من صعوبة في التفاعل الاجتماعي، بينما نجد طفلًا آخر لا يستخدم الكلام ويحتاج إلى وسائل تواصل بديلة.
وقد يكون بعض الأطفال قادرين على التعلم الأكاديمي بصورة جيدة، في حين يحتاج آخرون إلى برامج أكثر تركيزًا على مهارات الحياة اليومية والاستقلالية.
لذلك يجب أن يكون لكل طفل تقييم شامل وخطة تأهيل فردية تناسب احتياجاته وقدراته.
أهمية التدخل المبكر
كلما تم اكتشاف احتياجات الطفل في وقت مبكر وبدأت الأسرة في تقديم الدعم المناسب، زادت فرص الاستفادة من البرامج التأهيلية.
ولا يقتصر التدخل على تدريب الطفل على الكلام فقط، وإنما قد يشمل:
- تنمية التواصل واللغة.
- تعديل السلوك.
- تنمية الانتباه والإدراك.
- تنمية المهارات الاجتماعية.
- تنمية مهارات اللعب.
- تنمية المهارات الحركية والحسية.
- التدريب على الاعتماد على النفس.
- تدريب الطفل على مهارات الحياة اليومية.
- استخدام التواصل البديل والمعزز AAC عند الحاجة.
دور الأسرة
الأسرة شريك أساسي في نجاح أي برنامج تأهيلي. فالطفل لا يتعلم داخل جلسة التخاطب أو التأهيل فقط، وإنما يحتاج إلى ممارسة المهارات في المنزل وفي المدرسة والمجتمع.
ومن المهم أن تتعلم الأسرة كيفية التعامل مع سلوك الطفل، وأن تستخدم التعليمات البسيطة والواضحة، وتدعم السلوكيات المناسبة، وتوفر فرصًا يومية للتواصل والاختيار والاعتماد على النفس.
كما يجب تجنب مقارنة الطفل بغيره، لأن لكل طفل قدراته وسرعة تطوره الخاصة.
التوحد لا يعني غياب القدرات
من الأخطاء الشائعة النظر إلى الطفل من خلال تشخيصه فقط.
فالطفل الذي لديه توحد قد يمتلك قدرات ومواهب واهتمامات مميزة تحتاج إلى اكتشاف وتنمية. وقد تظهر لديه قدرات في الرسم، أو الموسيقى، أو الحفظ، أو استخدام التكنولوجيا، أو الأعمال اليدوية، أو غيرها من المجالات.
لذلك يجب أن نسأل دائمًا:
ماذا يستطيع الطفل أن يفعل؟
وليس فقط:
ماذا لا يستطيع أن يفعل؟
من التأهيل إلى الاستقلالية
الهدف من التأهيل ليس أن يظل الطفل معتمدًا على الآخرين طوال حياته، وإنما أن نساعده – وفق قدراته وإمكاناته – على الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الاستقلالية.
ويبدأ ذلك من مهارات بسيطة مثل تناول الطعام وارتداء الملابس والنظافة الشخصية، ثم الانتقال تدريجيًا إلى مهارات التواصل، والتعامل مع الآخرين، واستخدام المواصلات، والتسوق، والعمل، والمهارات المهنية.
وفي مرحلة المراهقة والشباب تصبح التأهيل المهني والمهارات الحياتية من الجوانب المهمة التي يجب التخطيط لها مبكرًا.
كيف ندعم الطفل؟
نحتاج إلى بيئة آمنة ومتقبلة، وتعامل يحترم اختلاف الطفل، وبرنامج واضح قائم على أهداف واقعية قابلة للقياس.
كما يجب أن يكون هناك تعاون بين الأسرة والمتخصصين والمدرسة، لأن نجاح الطفل لا يعتمد على جلسة واحدة أو متخصص واحد، وإنما على تكامل الجهود.
رسالة مهمة
التوحد ليس نهاية الطريق، والتشخيص لا يحدد قيمة الطفل ولا يلغي مستقبله.
كل طفل لديه قدرات يمكن اكتشافها وتنميتها، ودورنا الحقيقي هو أن نساعده على فهم العالم من حوله، وأن نساعد العالم أيضًا على فهمه وتقبله.
نحن لا نحتاج أن نغيّر الطفل ليصبح نسخة من الآخرين، بل نحتاج أن نمنحه الأدوات التي تساعده على التواصل، والتعلم، بقلم د/أماني عريان شفيق. دكتوره تربيه خاصه ومدرب معتمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق