السبت، 29 أغسطس 2026

نضحك خلف الشاشات.... ونقتل إنساناً في صمت



في زمنٍ أصبحت فيه الهواتف أقرب إلينا من أقرب الناس، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا، ظهرت مشكلة خطيرة تتسلل إلى البيوت دون استئذان، وتدخل إلى عقول أبنائنا وقلوبهم من خلف شاشات صغيرة.

إنه التنمر الإلكتروني... ذلك الوحش الذي لا نراه، لكنه يترك آثارًا قد لا تمحى بسهولة.

لم يعد التنمر مجرد طفل يسخر من زميله في المدرسة، أو شاب يطلق كلمة جارحة على شخص في الشارع، بل أصبح بإمكان شخص مجهول خلف شاشة أن يهدم ثقة إنسان بنفسه، ويجعله يكره شكله، أو صوته، أو حياته، وربما يدفعه إلى العزلة والانهيار.

الأخطر من ذلك أن كثيرًا من الناس أصبحوا يتعاملون مع التنمر وكأنه نوع من الفكاهة.

يكتب أحدهم تعليقًا ساخرًا على صورة شخص، ثم يضحك، ويشاركه الآخرون، وربما تتحول السخرية إلى آلاف التعليقات.

لكن هل فكر أحد هؤلاء للحظة في الشخص الموجود خلف الصورة؟

هل يعرفون ما يمر به؟

هل يعلمون كم من الوقت قضاه أمام المرآة وهو يحاول أن يتقبل نفسه؟

هل يعرفون أن كلمة واحدة منهم ربما كانت آخر ما يحتاج إليه شخص يعاني أصلًا من ضعف الثقة بنفسه؟

نحن نضحك على ما لا نعرف ألمه.

وهنا تكمن الكارثة.

لقد أصبح البعض يقيس قيمة الإنسان بعدد المتابعين، وشكله، وملابسه، وسيارته، ومكانه الاجتماعي، وحتى تفاصيل حياته الخاصة.

فإذا اختلف شخص عن الصورة التي رسمها المجتمع للجمال أو النجاح، أصبح هدفًا للسخرية.

وإذا أخطأ شخص في التعبير عن رأيه، انهالت عليه الشتائم.

وإذا فشل أحدهم في عمله، وجد من يشمت به.

وإذا انتهت علاقة عاطفية، تحول الأمر أحيانًا إلى مادة للتشهير والفضائح.

وكأننا نسينا أن وراء كل حساب إلكتروني إنسانًا له مشاعر وكرامة وحياة.

المشكلة ليست في التكنولوجيا... بل في الإنسان

ليست مواقع التواصل الاجتماعي هي العدو الحقيقي.

التكنولوجيا أداة، يمكن أن نستخدمها في العلم والعمل والتواصل ونشر المعرفة، ويمكن أيضًا أن نحولها إلى وسيلة لإيذاء الآخرين.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يفقد الإنسان إحساسه بالمسؤولية.

فالشخص الذي يكتب تعليقًا جارحًا ربما لا يستطيع أن يقول الكلمات نفسها في وجه صاحبها.

والشخص الذي يشهر بغيره من خلف شاشة قد لا يجرؤ على مواجهته في الواقع.

وكأن الاختباء خلف شاشة يمنح البعض شجاعة زائفة.

لكن الحقيقة أن الاختباء خلف شاشة لا يلغي أثر الجريمة، ولا يمحو وجع الضحية.

جيل كامل يعيش تحت المجهر

الأطفال والمراهقون هم الفئة الأكثر عرضة للخطر.

فالطفل في هذه المرحلة لا يزال يبني شخصيته، ويبحث عن قبول الآخرين، وكلمة سخرية قد تجعله يعتقد أنه أقل من غيره.

وقد يبدأ في الانعزال، أو فقدان الثقة بنفسه، أو كراهية الذهاب إلى المدرسة، أو رفض الظهور أمام الآخرين.

والأصعب أن بعض الآباء لا يلاحظون ما يحدث.

يرون ابنهم يجلس طويلًا في غرفته، فيعتقدون أنه منشغل بهاتفه.

ولا يعرفون أن طفلهم ربما يخوض حربًا نفسية كاملة من خلف الشاشة.

لذلك، فإن مسؤولية الأسرة ليست أن تمنع الهاتف فقط، وإنما أن تراقب أبناءها بالحب، وأن تسألهم، وأن تستمع إليهم دون إصدار أحكام.

اسأل ابنك: هل هناك شخص يؤذيك؟

ولا تنتظر حتى يخبرك بنفسه.

من المسؤول؟

المسؤولية مشتركة.

الأسرة مسؤولة عن التربية.

المدرسة مسؤولة عن التوعية.

الإعلام مسؤول عن نشر الوعي.

والمجتمع مسؤول عن رفض ثقافة السخرية والتشهير.

والقانون مسؤول عن حماية الضحايا ومحاسبة من يتجاوز.

لكن هناك مسؤولية أكبر تقع على كل فرد منا:

أن نتعلم متى نصمت.

ليس كل شيء نراه يحتاج إلى تعليق.

وليس كل شخص مختلفًا عنا يستحق السخرية.

وليس كل خطأ يستحق التشهير.

وليس كل صورة تستحق أن تصبح مادة للضحك.

قبل أن تكتب... فكر

قبل أن تكتب تعليقًا ساخرًا، تذكر أن هناك قلبًا سيقرأه.

قبل أن تنشر صورة شخص دون إذنه، تذكر أن حياته ليست ملكًا لك.

قبل أن تشارك فضيحة، تذكر أن الضغط على زر "مشاركة" قد يترك أثرًا لا يمكن إصلاحه.

وقبل أن تضحك على إنسان، اسأل نفسك:

ماذا لو كنت مكانه؟

ربما تتغير نظرتك بالكامل.

إن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأزمات الاقتصادية أو السياسية، وإنما تنهار أيضًا عندما يفقد الإنسان رحمته تجاه أخيه الإنسان.

وما أخطر أن نعيش في مجتمع يستطيع فيه شخص أن يحطم حياة شخص آخر بكلمة، ثم يغلق هاتفه وينام وكأن شيئًا لم يحدث.

لقد حان الوقت لأن نعيد تعريف القوة.

القوة ليست أن تجرح شخصًا ولا أن تحرجه أمام الآخرين.

القوة الحقيقية أن تستطيع أن تختلف دون إساءة، وأن تنتقد دون تجريح، وأن تستخدم التكنولوجيا دون أن تتحول إلى أداة في يد الكراهية.

فالكلمة التي تكتبها في ثوانٍ، قد يعيش إنسان آخر ألمها سنوات.

وفي النهاية، علينا أن نتذكر جميعًا:

نحن لا نعرف معارك الآخرين.

ولا نعرف ما الذي يخفونه خلف ابتساماتهم.

فربما يكون الشخص الذي نسخر منه اليوم، يخوض معركة لا يعلم عنها أحد شيئًا.

لذلك...

كن إنسانًا قبل أن تكون مستخدمًا للشاشات.

لأن خلف كل حساب إلكتروني إنسانًا...

وخلف كل إنسان حكاية...

وخلف كل كلمة أثرًا.

فاختر أثرَك بعناية.
بقلم ✍🏻
د . سلمي أبو النجا

هناك تعليق واحد:

Post Top Ad

Your Ad Spot