الأحد، 9 أغسطس 2026

الاستثمار لا يبدأ عندما يضع المستثمر أمواله في المشروع، بل يبدأ قبل ذلك بكثير

الاستثمار لا يبدأ عندما يضع المستثمر أمواله في المشروع، بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ من اللحظة التي يقرر فيها أن البلد أو السوق يستحق أن يضع فيه جزءًا من رأس ماله. ولهذا فإن المنافسة الحقيقية بين الدول لم تعد فقط على حجم الحوافز، وإنما على قدرتها على بناء بيئة تمنح المستثمر الثقة في المستقبل.

قد تكون الأرض متاحة، والتمويل موجودًا، والحوافز جذابة، لكن إذا كانت الإجراءات معقدة أو القواعد غير واضحة أو تكلفة التشغيل غير قابلة للتوقع، فإن المستثمر سيعيد حساباته. فالاستثمار بطبيعته يبحث عن العائد، لكنه يبحث قبل ذلك عن القدرة على توقع المخاطر وإدارتها.

ومن هنا تأتي أهمية الإصلاحات التي تستهدف تسهيل تأسيس المشروعات، وتبسيط التراخيص، وتوفير الأراضي، وتحسين الخدمات الرقمية، وتطوير آليات التمويل. فكل إجراء يقلل الوقت والتكلفة أمام المستثمر يرفع من جاذبية السوق، وكل خطوة تمنح المستثمر وضوحًا أكبر تساعده على اتخاذ قرار طويل الأجل.

لكن جذب الاستثمار ليس الهدف النهائي. الأهم هو نوعية الاستثمار الذي يدخل الاقتصاد. فهناك فرق بين استثمار يضيف إنتاجًا وفرص عمل وتكنولوجيا وأسواقًا تصديرية، واستثمار يحقق عائدًا ماليًا دون أن يترك أثرًا اقتصاديًا واسعًا. ولذلك، يجب أن تكون الأولوية للاستثمارات التي تضيف قيمة حقيقية وتدعم سلاسل الإنتاج المحلية.

كما أن المستثمر المحلي يحتاج إلى الاهتمام نفسه الذي يحصل عليه المستثمر القادم من الخارج. فالمستثمر المصري الذي يملك مشروعًا قائمًا أو يخطط للتوسع هو جزء أساسي من معادلة النمو، ودعمه يعني الحفاظ على رأس مال وخبرة وسوق وعمالة موجودة بالفعل داخل الاقتصاد.

 لا تُبنى جاذبية الاستثمار بحزمة حوافز واحدة، وإنما بتراكم الثقة. المستثمر الذي يجد قوانين واضحة، وإجراءات سريعة، وخدمات مستقرة، وسوقًا حقيقية، وتمويلًا مناسبًا، سيبحث عن فرصة للتوسع بدلًا من البحث عن فرصة للخروج.

ولهذا فإن أفضل سياسة استثمارية ليست التي تقول للمستثمر «تعال»، وإنما التي تجعل المستثمر يرى بنفسه أن وجوده هنا قرار منطقي وقابل للاستمرار والنمو.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot