الأحد، 9 أغسطس 2026

القروض في حد ذاتها ليست مشكلة

القروض في حد ذاتها ليست مشكلة، بل أداة اقتصادية يمكن أن تساعد على التوسع والاستثمار وزيادة الإنتاج، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاقتراض من وسيلة لتمويل مشروع منتج إلى وسيلة لتمويل احتياجات تتكرر دون وجود قدرة حقيقية على السداد.

وهنا تظهر فكرة «كرة الثلج». فقد يبدأ الأمر بقرض صغير لسد فجوة مؤقتة، ثم تتراكم الالتزامات، ويحتاج المقترض إلى تمويل جديد لسداد التزامات سابقة، ثم يدخل في دائرة من الأقساط والفوائد والمصاريف، بحيث يصبح جزء متزايد من دخله موجهًا لخدمة الدين بدلًا من الاستثمار أو التشغيل.

وفي قطاع الأعمال، يمكن أن تكون هذه الدائرة أكثر خطورة. فإذا حصل مصنع على قرض لشراء معدات ترفع الإنتاج وتولد إيرادات إضافية، فإن الدين هنا يمكن أن يكون أداة للنمو. أما إذا تم استخدام القرض لتغطية خسائر تشغيلية مستمرة دون معالجة سبب الخسائر، فإن المشكلة لا تختفي، وإنما تتأجل وتكبر.

كما أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يزيد الضغط على الشركات، خصوصًا المشروعات التي تعمل بهوامش ربح محدودة. فالفائدة لا تُنظر إليها منفصلة عن المشروع، بل يجب مقارنتها بالعائد المتوقع من الاستثمار؛ لأن المشروع الذي لا يستطيع تحقيق عائد أعلى من تكلفة التمويل قد يتحول القرض فيه من فرصة إلى عبء.

ولهذا، فإن القرار الصحيح ليس «الاقتراض أم عدم الاقتراض»، وإنما «لماذا نقترض؟ وكيف سنسدد؟». قبل الحصول على أي تمويل، يجب معرفة التدفقات النقدية المتوقعة، وقدرة المشروع على تحمل القسط، والسيناريو البديل إذا انخفضت المبيعات أو ارتفعت التكاليف.

وفي الاقتصاد ككل، يمكن للائتمان أن يكون محركًا قويًا للنمو عندما يتجه إلى الإنتاج والاستثمار، لكنه يصبح مصدر ضغط عندما يتوسع أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد الدخل. لذلك، فإن جودة الاقتراض لا تقل أهمية عن حجم الاقتراض.

المشكلة ليست في كرة الثلج عندما تبدأ صغيرة، وإنما في تركها تتدحرج دون حساب. فالدين يمكن أن يبني مصنعًا، ويمول توسعة، ويخلق فرص عمل، لكنه إذا أُدير بلا تخطيط قد يتحول من أداة للنمو إلى عبء يلتهم النمو نفسه.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot