هناك تحول مهم في مفهوم المنافسة الصناعية يحدث في العالم، وقد لا يكون واضحًا لكل المستثمرين: المصنع لم يعد ينافس بالمصنع فقط، بل بالمنظومة المحيطة به.
قد يمتلك مصنعان الآلات نفسها، ويستخدمان المادة الخام نفسها، وينتجان المنتج نفسه، ومع ذلك يكون أحدهما أكثر ربحية وقدرة على التصدير من الآخر.
السبب قد لا يكون في خط الإنتاج أصلًا.
قد يكون في سرعة وصول المواد الخام، أو كفاءة المخازن، أو إدارة المخزون، أو تكلفة النقل، أو سرعة التخليص الجمركي، أو جودة البيانات، أو حتى قدرة الإدارة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وهنا تظهر أهمية سلاسل الإمداد.
في السنوات الأخيرة، أدرك العالم أن المصنع لا يستطيع أن يكون منفصلًا عن الموردين والموانئ وشركات النقل ومراكز التخزين والأسواق.
تعطل مورد واحد يمكن أن يوقف خط إنتاج كامل.
وتأخر شحنة واحدة من مكون أساسي قد يجعل المصنع يخسر أيامًا من الإنتاج.
ولهذا بدأت الشركات الكبرى في بناء سلاسل توريد أكثر مرونة، وعدم الاعتماد على مصدر واحد لكل شيء.
وهذه فرصة مهمة أمام الصناعة المصرية.
فبدلًا من أن يكون الهدف فقط جذب مصنع نهائي كبير، يمكن أن يكون الهدف إنشاء منظومة صناعية كاملة حول كل قطاع.
إذا جاءت صناعة السيارات، يجب أن نبحث عن موردي المكونات.
وإذا جاءت صناعة الإلكترونيات، نحتاج إلى شركات الكابلات والبلاستيك والدوائر والمكونات والتجميع والاختبار.
وإذا توسعت الصناعات الغذائية، نحتاج إلى التعبئة والتغليف والتبريد والنقل والخدمات اللوجستية.
وهكذا يصبح الاستثمار الواحد نقطة بداية لعشرات الاستثمارات الأخرى.
لكن بناء هذه المنظومة يحتاج إلى بيانات.
يجب أن نعرف بدقة: ما المكونات التي تستوردها المصانع المصرية؟ وما قيمتها؟ ومن يستطيع تصنيعها محليًا؟ وما حجم الاستثمار المطلوب؟ وما المواصفات الفنية؟
هذه البيانات يمكن أن تتحول إلى خريطة فرص صناعية حقيقية.
بدلًا من أن يأتي المستثمر ويسأل: «ماذا أصنع؟»، يمكن أن يجد قائمة واضحة بمنتجات تستوردها مصر بمئات الملايين، مع حجم السوق والمواصفات والطاقة المطلوبة والفرص التصديرية.
هنا يصبح جذب الاستثمار أكثر ذكاءً.
والأهم أن توطين سلاسل الإمداد لا يعني إغلاق السوق أمام الاستيراد.
بالعكس.
المورد المحلي يجب أن يثبت أنه قادر على تقديم المنتج بجودة وسعر واستمرارية أفضل أو مساوية للبديل المستورد.
إذا لم يستطع، فلن يكون من المنطقي إجبار المصنع النهائي على استخدامه لمجرد أنه محلي.
فالهدف ليس «مكونًا محليًا» على الورق.
الهدف هو مورد مصري قادر على المنافسة.
وعندما نصل إلى هذه المرحلة، يحدث شيء أكبر.
المورد الذي ينجح في مصر يستطيع أن يصبح موردًا لمصانع عالمية أخرى، ثم يبدأ في التصدير، فتتحول عملية إحلال الواردات إلى عملية بناء صادرات جديدة.
وهذه هي النقلة التي تحتاجها الصناعة المصرية.
أن نتوقف عن التفكير في المصنع باعتباره مبنى يحتوي على آلات، ونبدأ في النظر إليه باعتباره جزءًا من شبكة إنتاج كاملة.
لأن المصنع القوي لا يعيش منفردًا.
كلما كانت المنظومة الصناعية حوله أقوى، أصبح المصنع نفسه أكثر قدرة على المنافسة والتوسع والتصدير.
وربما تكون المعركة القادمة في الصناعة المصرية ليست على إنشاء أكبر عدد من المصانع، وإنما على بناء أقوى سلاسل توريد حول هذه المصانع.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق