هناك سؤال أراه أهم من سؤال «كم حجم الاستثمار؟» عندما نتحدث عن الاقتصاد المصري:
كم سنة سيظل هذا الاستثمار داخل مصر؟
قد يدخل رأس المال، ويُنشأ المصنع، وتبدأ عملية الإنتاج، وتظهر أرقام التوظيف والصادرات. لكن النجاح الحقيقي لا يتحدد في السنة الأولى، وإنما بقدرة المشروع على التوسع وإعادة استثمار أرباحه بدلًا من الاكتفاء بالمشروع الأول.
وهنا تظهر أهمية المستثمر طويل الأجل.
المستثمر الذي ينشئ مصنعًا ثم يعيد استثمار جزء من أرباحه في خط إنتاج جديد، ثم يضيف منتجًا آخر، ثم يدخل سوقًا تصديرية جديدة، يخلق قيمة اقتصادية مختلفة تمامًا عن مستثمر يكتفي بالمشروع الأول وينتظر استرداد أمواله.
لذلك يجب ألا يكون هدف الدولة فقط جذب الاستثمار، بل تحفيز الاستثمار على التوسع.
وهذا يبدأ من إزالة العقبات التي تظهر بعد التشغيل.
فالمستثمر قد يحصل على الأرض والترخيص بسهولة، ثم يكتشف أن التوسع يحتاج إلى رحلة جديدة من الإجراءات والموافقات. وقد يجد أن زيادة الطاقة الإنتاجية تعني إعادة التفاوض على كل شيء من البداية.
وهنا يفقد الاقتصاد فرصة مهمة.
لأن المستثمر الموجود بالفعل يعرف السوق، ولديه العمالة والخبرة والعملاء وسلسلة الموردين. وتوسعة مصنع ناجح قد تكون أسرع وأقل مخاطرة من جذب مستثمر جديد يبدأ من الصفر.
ولهذا فإن المستثمر القائم هو أحد أهم المستثمرين المحتملين في المستقبل.
إذا كان مصنع ينتج بطاقة 60% من قدرته بسبب مشكلة تمويل أو سوق أو مرافق، فحل المشكلة قد يكون أكثر فائدة من إنشاء مصنع جديد.
وإذا كان المصنع يصدر بالفعل، فإن مساعدته على مضاعفة صادراته قد تكون أسرع من البحث عن شركة جديدة لتبدأ التصدير من الصفر.
لكن التوسع لا يحدث بالحوافز وحدها.
المستثمر يحتاج إلى سوق، وتمويل، وطاقة مستقرة، وموانئ ولوجستيات، وعمالة مدربة، وقواعد واضحة.
ويحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأن نجاحه ليس سببًا لزيادة التعقيدات عليه.
هذه نقطة مهمة جدًا.
فالشركة التي بدأت صغيرة ثم نجحت وأصبحت تحقق أرباحًا أكبر يجب ألا تتحول مع نموها إلى هدف لمزيد من الإجراءات والطلبات والتعقيدات.
على العكس، كلما كبرت الشركة وأصبحت أكثر إنتاجًا وتصديرًا وتشغيلًا، يجب أن تصبح علاقتها بالدولة أكثر وضوحًا واستقرارًا.
وهنا يمكن أن نعيد تعريف «جذب الاستثمار».
ليس النجاح أن نقول:
دخلت مصر 10 شركات جديدة.
الأهم أن نسأل:
كم شركة موجودة ضاعفت استثماراتها؟
كم مصنعًا أضاف خط إنتاج؟
كم شركة بدأت التصدير بعد أن كانت تعمل للسوق المحلية؟
كم مستثمرًا أعاد ضخ أرباحه في مصر بدلًا من إخراجها؟
هذه المؤشرات قد تكون أكثر دلالة على صحة مناخ الاستثمار من عدد المشروعات الجديدة وحده.
لأن المستثمر الذي يتوسع هو في الحقيقة تصويت متكرر بالثقة في الاقتصاد.
يدخل مرة، ثم يضع أموالًا جديدة، ثم يضاعف الطاقة الإنتاجية، ثم يفتح مصنعًا ثانيًا.
وهذا هو الاستثمار الذي نحتاجه.
ليس فقط أموالًا تدخل مصر…
بل أموالًا تقرر أن تبقى وتكبر داخل مصر.
وفي النهاية، أفضل مستثمر أجنبي ليس بالضرورة من يضع أكبر شيك في يوم التوقيع.
قد يكون الأفضل هو الذي يأتي بمشروع واحد، ثم يجد أن البيئة تسمح له بعد خمس سنوات بأن يصبح لديه عشرة مشاريع.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق