لم يعد الأمن المائي في الاقتصاد الحديث قضية تخص الزراعة وحدها، بل أصبح قضية استثمار وصناعة وأمن غذائي وطاقة.
فكل مصنع يحتاج إلى المياه بدرجات مختلفة، وكل توسع زراعي يحتاج إلى مورد مائي مستدام، وحتى بعض الصناعات المستقبلية، مثل الهيدروجين الأخضر ومراكز البيانات، ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتوافر المياه وقدرة الدولة على إدارتها بكفاءة.
وهنا تتغير طريقة النظر إلى المياه. فالمشكلة ليست فقط في كمية المياه المتاحة، وإنما في قيمة كل متر مكعب يتم استخدامه.
إذا استُخدمت المياه في زراعة محصول منخفض القيمة الاقتصادية ويستهلك كميات كبيرة من المياه، فإن العائد الاقتصادي للمتر المكعب قد يكون محدودًا. أما إذا ارتبطت المياه بزراعة عالية القيمة، أو بصناعة غذائية تقوم على التصنيع والتعبئة والتصدير، فإن العائد الاقتصادي يمكن أن يتضاعف.
وهذا يعني أن السياسة المائية يجب أن ترتبط بالسياسة الاقتصادية.
فالدولة التي تواجه محدودية في الموارد المائية تحتاج إلى أن تسأل قبل التوسع في أي نشاط: كم يستهلك من المياه؟ وما القيمة الاقتصادية التي يضيفها؟ وهل يمكن استخدام تقنيات أكثر كفاءة؟ وهل يمكن إعادة استخدام المياه؟ وهل يمكن تحقيق العائد نفسه باستهلاك أقل؟
التكنولوجيا هنا ليست رفاهية. فالري الحديث، وإعادة استخدام المياه، وتحلية المياه، ومعالجة الصرف الصناعي، وأنظمة قياس الاستهلاك، كلها أصبحت أدوات اقتصادية يمكن أن تقلل الضغط على الموارد وتزيد كفاءة الإنتاج.
كما أن ندرة المياه قد تتحول من تحدٍّ إلى فرصة استثمارية إذا نشأت حولها صناعة متكاملة تضم شركات معالجة وتحلية وإعادة تدوير وتصنيع معدات وتقنيات إدارة المياه.
وهذا يفتح مجالًا مهمًا أمام مصر، ليس فقط لحماية مواردها، وإنما لبناء قطاع اقتصادي جديد قادر على تقديم حلول للسوق المحلية والتصدير إلى دول المنطقة وأفريقيا التي تواجه تحديات مائية متزايدة.
في النهاية، لن يكون السؤال الاقتصادي في المستقبل: «كم لدينا من المياه؟» فقط، بل:
ماذا ننتج بكل متر مكعب؟ وكم قيمة اقتصادية نستطيع أن نصنعه من هذه الكمية؟
ففي عالم تتزايد فيه المنافسة على الموارد، قد تصبح كفاءة استخدام المياه واحدة من أهم مؤشرات القدرة التنافسية للدول.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق