الجمعة، 14 أغسطس 2026

حين يتحول الاحتياج العاطفي إلى تعلق مؤلم

بقلم/د.لينا أحمد دبة 

في العلاقات الإنسانية، من الطبيعي أن نحتاج إلى من نحب. نحتاج إلى وجوده، واهتمامه، ودعمه، ونشعر بالراحة عندما يكون قريبًا منا. لكن أحيانًا يتحول هذا الاحتياج الطبيعي إلى تعلق مفرط يجعل سعادتنا وأماننا النفسي مرتبطين بشكل كامل بشخص آخر.

الاحتياج العاطفي لا يعني الضعف، بل هو جزء طبيعي من طبيعة الإنسان. أن تقول لشخص: «أنا محتاجك جنبي» لا يعني أنك عاجز عن الحياة بدونه، وإنما يعني أن وجوده مهم بالنسبة لك. أما التعلق المفرط فيبدأ عندما يصبح الشخص مصدر الأمان الوحيد، وعندما تشعر أنك لا تستطيع أن تكون بخير إلا إذا كان موجودًا أو متاحًا لك طوال الوقت.

في الاحتياج الصحي، تستطيع أن تحب شخصًا وتحترم مساحته في الوقت نفسه. تدرك أن لديه حياته واهتماماته ووقته الخاص، ولا تعتبر ابتعاده المؤقت تهديدًا للعلاقة. أما في التعلق، فقد تتحول المسافة إلى قلق وخوف وشك، ويصبح التأخر في الرد أو عدم التواصل سببًا للتوتر والتفكير الزائد.

الفرق يظهر أيضًا في طريقة إدارة الحياة. الشخص الذي يحب بطريقة صحية تكون لديه حياته الخاصة، وأصدقاؤه، واهتماماته، وأهدافه. فهو يشارك شريكه حياته، لكنه لا يجعل حياته كلها تدور حوله. بينما في التعلق المفرط يبدأ التركيز كله على الطرف الآخر: هل رد؟ لماذا تأخر؟ هل هو متصل؟ لماذا تغير؟ هل ما زال يحبني؟ وهكذا يصبح العقل مشغولًا باستمرار بإشارات العلاقة.

كذلك، الاحتياج الصحي يبحث عن الدعم، وليس السيطرة. من الطبيعي أن تطلب من شريكك أن يقف بجانبك في وقت صعب، لكن عندما يتحول الخوف من فقدانه إلى رغبة في مراقبته أو التحكم في علاقاته وتصرفاته، فهنا نحتاج إلى التوقف ومراجعة أنفسنا.

الحب الصحي أيضًا لا يلغي قيمة الإنسان. يمكنك أن تحب شخصًا بشدة، وتشتاق إليه، وتشعر بالحزن إذا ابتعد، لكنك تظل مدركًا لقيمتك كإنسان بعيدًا عن العلاقة. أما عندما تصبح الفكرة: «من دونه أنا لا شيء»، فهنا لم يعد الأمر مجرد حب، بل أصبح اعتمادًا عاطفيًا قد يؤذي الطرفين.

العلاقة الصحية لا تعني أن نكون أشخاصًا لا يحتاجون أحدًا، فهذا غير واقعي. الإنسان بطبيعته يحتاج إلى الحب والاحتواء والانتماء. لكن التوازن يكمن في أن نحتاج إلى الآخر دون أن نفقد أنفسنا، وأن نقترب منه دون أن نختنق، وأن نحبه دون أن نجعله المسؤول الوحيد عن سعادتنا وأماننا.

لذلك، بدلًا من أن نقول: «من غيرك أنا ولا حاجة»، يمكن أن نقول: «وجودك مهم جدًا في حياتي، وأنا أحبك وأحتاج قربك، لكنني أعرف أيضًا قيمتي وحياتي وذاتي بعيدًا عن العلاقة».

فالحب الحقيقي لا يسلبك نفسك، بل يجعلك أكثر قدرة على أن تكون نفسك.

الاحتياج يقول: أريدك في حياتي.

أما التعلق المفرط فيقول: لا أستطيع أن أكون بخير من دونك.

والفرق بينهما هو المساحة التي تتركها لنفسك وأنت تحب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot