الجمعة، 14 أغسطس 2026

الحديث عن جذب الاستثمارات الأجنبية أصبح حاضرًا بقوة في المشهد الاقتصادي المصري، لكن ربما آن الأوان لتغيير السؤال.

الحديث عن جذب الاستثمارات الأجنبية أصبح حاضرًا بقوة في المشهد الاقتصادي المصري، لكن ربما آن الأوان لتغيير السؤال.

فبدلًا من أن نسأل: كم استثمارًا جديدًا تستطيع مصر جذبُه؟ يجب أن نسأل: ما نوع الاستثمار الذي تحتاج إليه مصر الآن؟

هذا السؤال مهم خصوصًا مع التحركات الحالية لجذب استثمارات هندية وصينية وغيرها إلى قطاعات التصنيع والتصدير ونقل التكنولوجيا. فالتوجه المعلن لا يقتصر على دخول رؤوس أموال جديدة، وإنما يستهدف تعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات.

والفرق بين الاستثمار الجيد والاستثمار الأفضل ليس في حجم رأس المال فقط.

مصنع يستورد معظم مكوناته، ويبيع إنتاجه داخل السوق المحلية، قد يكون مشروعًا ناجحًا لصاحبه، لكنه يترك أثرًا اقتصاديًا مختلفًا عن مصنع يستخدم شبكة واسعة من الموردين المحليين، ويوظف العمالة المصرية، وينقل التكنولوجيا، ويصنع منتجات قادرة على المنافسة في الخارج.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استثمار يصنع قيمة مضافة.

مصر تمتلك سوقًا كبيرة، وموقعًا جغرافيًا متميزًا، واتفاقيات تجارية تتيح الوصول إلى أسواق إقليمية ودولية. لكن هذه المزايا لن تتحول تلقائيًا إلى صادرات. المطلوب هو أن يصبح المستثمر قادرًا على النظر إلى مصر باعتبارها قاعدة إنتاج وتصدير، وليس مجرد سوق استهلاكية.

وهنا تظهر أهمية توجيه الاستثمارات إلى الصناعات التي تستطيع تقليل فاتورة الواردات وزيادة الصادرات في الوقت نفسه: الآلات والمعدات، الصناعات الدوائية، المكونات الكهربائية، الصناعات الغذائية، التعبئة والتغليف، والمنتجات ذات القيمة المضافة.

والأهم من ذلك أن الاستثمار الأجنبي يجب ألا يعمل بمعزل عن المستثمر المحلي.

فالمصنع الكبير يمكن أن يخلق حوله عشرات الشركات الصغيرة والمتوسطة، وإذا جرى ربط هذه الشركات بسلاسل التوريد، يصبح الاستثمار الأجنبي وسيلة لتطوير الصناعة المحلية بأكملها، وليس مجرد مشروع منفرد.

وهنا تكمن إحدى أهم الفرص أمام مصر في السنوات المقبلة: أن تجعل كل استثمار جديد نقطة بداية لمنظومة إنتاجية أكبر.

فالنجاح الحقيقي ليس أن يدخل مليار دولار إلى الاقتصاد، وإنما أن يترك هذا المليار وراءه مصانع، ومهارات، وتكنولوجيا، وموردين، وصادرات، وأسواقًا جديدة.

عندها فقط لا يصبح الاستثمار مجرد تدفق لرأس المال، بل يصبح وسيلة لبناء قدرة اقتصادية تستمر حتى بعد انتهاء المشروع نفسه.

مصر لا تحتاج فقط إلى مستثمرين جدد؛ بل تحتاج إلى استثمارات تجعل مصر أكثر إنتاجًا وقدرة على التصدير مما كانت عليه قبل دخولها.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot