ارتفاع مؤشرات البورصة لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد كله أصبح في أفضل حالاته، كما أن تراجعها لا يعني تلقائيًا أن الاقتصاد يمر بأزمة. لكن سوق المال يظل واحدًا من أهم المؤشرات التي تكشف كيف ينظر المستثمرون إلى المستقبل.
وفي مصر، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع وصول الاحتياطي من النقد الأجنبي إلى مستويات تتجاوز 50 مليار دولار، ومع استمرار الحديث عن تحسن الاستقرار الاقتصادي وزيادة الاستثمارات.
لكن السؤال الأهم ليس: هل ترتفع البورصة؟
بل: هل تتحول حركة رأس المال إلى استثمارات حقيقية في الاقتصاد؟
فالسوق المالية تستطيع أن تعكس توقعات المستثمرين، لكنها لا تبني مصنعًا بمفردها، ولا تخلق وظيفة، ولا تزيد الصادرات إلا عندما تنتقل الأموال من التداول المالي إلى الاستثمار الإنتاجي.
وهنا تظهر أهمية تطوير سوق المال المصري باعتباره أداة لتمويل الشركات، وليس مجرد مكان لشراء وبيع الأسهم. فالشركة التي تستطيع طرح أسهمها للحصول على تمويل طويل الأجل قد تستخدمه في إنشاء مصنع جديد، أو زيادة الطاقة الإنتاجية، أو شراء تكنولوجيا، أو دخول سوق تصديرية.
وهذا يفتح بابًا مختلفًا أمام الاقتصاد المصري: بدلًا من اعتماد الشركات بصورة أساسية على القروض المصرفية، يمكن أن يصبح سوق المال أحد مصادر التمويل للنمو والتوسع.
لكن ذلك يحتاج إلى زيادة عدد الشركات القادرة على الوصول إلى السوق، وتحسين الإفصاح والحوكمة، وتشجيع الشركات العائلية والمشروعات الكبيرة على التحول إلى كيانات أكثر تنظيمًا وقابلية لجذب المستثمرين.
كما أن المستثمر نفسه يحتاج إلى سوق أكثر عمقًا وتنوعًا، حتى لا تتركز حركة التداول في عدد محدود من الشركات.
قوة البورصة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد النقاط التي يصعدها المؤشر، وإنما بقدرتها على تحويل المدخرات إلى استثمارات، وتحويل الاستثمارات إلى شركات أكثر قوة، وتحويل الشركات إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل.
عندها تصبح البورصة جزءًا من الاقتصاد الحقيقي، لا مجرد شاشة تتغير عليها الأسعار.
فالسوق المالية الناجحة ليست التي تجعل المستثمر أكثر ثراءً فقط، وإنما التي تجعل الاقتصاد نفسه أكثر قدرة على النمو.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق