هناك لحظات في الاقتصاد لا يكون فيها السؤال الأهم: هل تحسنت الأرقام؟ بل: هل تغيرت طبيعة المشكلة نفسها؟
مصر تدخل الآن مرحلة تبدو مختلفة عن السنوات السابقة. فقد أقر صندوق النقد الدولي المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح، وأتاح تمويلًا جديدًا بنحو 1.77 مليار دولار، بينما يتوقع الصندوق نمو الاقتصاد بنحو 4.6% خلال السنة المالية 2025/2026، مع استمرار التحسن في السنوات التالية.
لكن في الوقت نفسه، ارتفع التضخم الحضري في يوليو إلى 14.9% بعد ثلاثة أشهر من التراجع، وهو ما يوضح أن الاستقرار الكلي لا يعني أن الضغوط اليومية انتهت.
وهنا تكمن المرحلة الأصعب.
لقد كان جزء كبير من التركيز خلال السنوات الماضية على توفير العملة الأجنبية، واستعادة الاحتياطي، والسيطرة على الاختلالات المالية والنقدية. أما التحدي الآن فيجب أن ينتقل تدريجيًا إلى سؤال مختلف: كيف نبني اقتصادًا يستطيع توليد موارده من داخله؟
الاقتراض والتمويل الخارجي يمكن أن يمنحا الاقتصاد مساحة للحركة، لكنهما لا يمكن أن يكونا بديلًا عن الإنتاج. والاستثمار الأجنبي مهم، لكنه يصبح أكثر قيمة عندما يتحول إلى مصانع وصادرات وتكنولوجيا وسلاسل توريد محلية.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الإصلاحات التي تستهدف القطاع الخاص وطرح أصول الدولة وتوسيع مشاركة المستثمرين في الاقتصاد. فالحكومة تستعد لمجموعة جديدة من صفقات التخارج، مع توجه لاستخدام الطروحات في البورصة بصورة أكبر لتعميق سوق المال.
لكن نجاح هذه المرحلة لن يقاس بحجم الأموال التي تدخل الخزانة فقط.
السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث بعد ذلك؟
هل تتحول الأصول إلى استثمارات جديدة؟ هل يتوسع القطاع الخاص؟ هل تزيد الطاقة الإنتاجية؟ هل ترتفع الصادرات؟ وهل تستطيع الشركات المصرية أن تنافس في الأسواق الخارجية؟
فبيع أصل أو جذب تمويل يمكن أن يحسن الوضع المالي، لكنه لا يصنع وحده اقتصادًا قويًا. الاقتصاد القوي هو الذي يستطيع أن يولد تدفقات نقدية جديدة بصورة مستمرة من الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات والتكنولوجيا والتصدير.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نعتبر تحسن المؤشرات الكلية نهاية الرحلة.
الاستقرار ليس الهدف النهائي، وإنما هو القاعدة التي يمكن أن نبني فوقها.
إذا نجحت مصر في استغلال هذه المرحلة لتوسيع الإنتاج، وجذب استثمارات نوعية، وتحسين بيئة القطاع الخاص، وتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، وتحويل جزء أكبر من الاقتصاد إلى أنشطة قابلة للتصدير، فإن السنوات المقبلة يمكن أن تكون مختلفة بالفعل.
أما إذا ظل التركيز على إدارة السيولة والديون والأزمات من عام إلى آخر، فسوف نظل ندور في الحلقة نفسها.
الاقتصاد المصري لا يحتاج فقط إلى أن يستقر.
يحتاج إلى أن يبدأ في إنتاج الاستقرار بنفسه.
وهذا يعني اقتصادًا يولد العملة بدلًا من البحث عنها، وينتج بدلًا من الاعتماد على الاستيراد، ويجذب المستثمر لأنه يرى فرصة حقيقية للنمو، لا لأنه ينتظر حافزًا مؤقتًا.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للإصلاحات: ليس عندما تتغير الأرقام على الورق، وإنما عندما تتغير قدرة الاقتصاد على صناعة مستقبله.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق