بقلم: المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولى لحقوق الإنسان
مراسل صحفى بجريدة قلب الحدث – محرر بجريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية
عندما يتحول الهاتف من أداة إلى سؤال مخيف
هل حدث أن تحدثت مع شخص وجهًا لوجه عن مطعم، أو سيارة، أو منتج، أو حتى مكان لم تكن تبحث عنه، ثم أمسكت هاتفك بعد دقائق، فإذا بالإعلان أمامك يتحدث عن الشيء نفسه؟
لحظة واحدة كهذه كفيلة بأن تجعلك تتوقف وتسأل:
هل هاتفي يسمعني؟
هل هناك من يتنصت على حديثي؟
أم أن الأمر مجرد صدفة؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة أكثر تعقيدًا.
فظهور إعلان مرتبط بحديث دار بينك وبين شخص آخر لا يُعد في حد ذاته دليلًا على أن الهاتف كان يسجل المحادثة أو يتنصت عليها.
الحقيقة الأكثر إثارة أن عالم الإعلانات الرقمية قد لا يحتاج أصلًا إلى معرفة ما قلته بصوتك؛ فقد يمتلك بالفعل عددًا هائلًا من الإشارات التي تسمح له بالتنبؤ بما قد يثير اهتمامك.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
كيف يعرف الهاتف ما تفكر فيه؟
قد تتحدث مع أحد أفراد أسرتك عن منتج معين، وفي الوقت نفسه يكون شخص آخر من محيطك قد بحث عن المنتج أو شاهد محتوى متعلقًا به.
وقد تكون أنت نفسك قد تفاعلت مع الموضوع سابقًا دون أن تتذكر.
ربما بحثت عنه منذ أيام.
ربما ضغطت على رابط مشابه.
ربما شاهدت مقطعًا متعلقًا به.
وربما توقفت لثوانٍ أمام محتوى مشابه دون أن تدرك أن هذا التفاعل الصغير يمكن أن يمثل إشارة لخوارزميات التوصية والإعلانات.
وهكذا، عندما يظهر الإعلان بعد محادثتك مباشرة، يبدو الأمر وكأن الهاتف قرأ أفكارك، بينما قد تكون الحقيقة أن المنظومة الرقمية جمعت إشارات كثيرة عنك قبل أن تتحدث أصلًا.
الأخطر.. ليس أنت وحدك من يصنع الصورة
قد لا تعتمد أنظمة الإعلانات على نشاطك وحده.
فالعالم الرقمي أصبح شبكة هائلة من الحسابات والأجهزة والعلاقات والتفاعلات.
اهتمامات الأشخاص الموجودين في دائرتك الرقمية قد تتقاطع مع اهتماماتك، وقد تنتج عن هذا التقاطع إشارات تساعد الأنظمة الإعلانية على توقع ما قد يهمك.
وهنا تظهر مفارقة مخيفة:
قد ترى إعلانًا عن شيء لم تبحث عنه، ولم تكتب اسمه، ولم تضغط عليه، ومع ذلك توجد حولك إشارات رقمية جعلت ظهوره أمامك متوقعًا.
بصمتك الرقمية.. أنت تترك أثرًا أكثر مما تتخيل
كل نقرة، وكل بحث، وكل مشاهدة، وكل تفاعل يمكن أن يترك أثرًا رقميًا.
ومع استخدام الحساب نفسه عبر الهاتف والمتصفح ومواقع وخدمات وتطبيقات متعددة، يمكن أن تتجمع كميات كبيرة من البيانات حول اهتمامات المستخدم وسلوكه.
وهذا ما يعرف باسم البصمة الرقمية Digital Footprint.
المشكلة ليست في معلومة واحدة.
المشكلة في تجميع آلاف التفاصيل الصغيرة.
فمعلومة عن مكان تبحث عنه، مع مقطع تشاهده، مع منتج تتصفحه، مع اهتمام تتكرر حوله تفاعلاتك، قد ترسم في النهاية صورة أكثر وضوحًا عنك مما تتوقع.
ماذا يمكن أن يعرف المعلنون عنك؟
عالم الإعلانات الرقمية لا يهتم فقط باسمك أو رقم هاتفك.
يمكن أن تدخل في الصورة مجموعة من المعلومات والإشارات المتعلقة باهتماماتك وسلوكك الرقمي، مثل طبيعة المحتوى الذي تتفاعل معه، والمنتجات التي تبحث عنها أو تشتريها، وبعض الخصائص التي تستخدمها الأنظمة الإعلانية لتخصيص الإعلانات.
وهنا تكمن قوة التكنولوجيا الحديثة:
لم يعد السؤال فقط: ماذا فعلت؟
بل أصبح:
ماذا يمكن أن تستنتجه الخوارزميات مما فعلته؟
هل التطبيقات تراقبك فعلًا؟
هنا يجب أن نفرق بين جمع البيانات والتنصت على المحادثات.
فالكثير من التطبيقات تعتمد على بيانات الاستخدام لتخصيص المحتوى والإعلانات والتوصيات.
لكن اختلاف وظائف التطبيقات يعني اختلاف البيانات التي تحتاجها.
ومن هنا تأتي أهمية أذونات التطبيقات.
فإذا طلب تطبيق بسيط صلاحية الوصول إلى الميكروفون أو الكاميرا أو الموقع دون أن يكون هناك سبب واضح مرتبط بوظيفته، فمن حق المستخدم أن يتساءل:
لماذا يحتاج هذا التطبيق إلى هذه الصلاحية؟
فمثلًا، قد يكون استخدام الميكروفون منطقيًا في تطبيق يعتمد على الأوامر الصوتية، بينما يصبح الأمر محل تساؤل إذا كان التطبيق لا يحتاج إلى الصوت لأداء وظيفته الأساسية.
الميكروفون.. أكثر نقطة تثير الشك
الميكروفون تحديدًا أصبح رمزًا لفكرة «الهاتف الذي يسمعك».
لكن ظهور إعلان بعد محادثة لا يثبت أن الميكروفون كان يعمل ويسجل الحديث.
وفي المقابل، لا ينبغي للمستخدم أن يمنح أي تطبيق صلاحيات بلا تفكير.
القاعدة الأبسط:
امنح التطبيق فقط الصلاحيات التي يحتاج إليها فعلًا.
وإذا لم تكن هناك حاجة إلى الميكروفون أو الكاميرا أو الموقع، فمن الأفضل مراجعة الإذن وإيقافه وفق الخيارات المتاحة في الجهاز.
لماذا يبدو الأمر وكأن الهاتف يقرأ أفكارك؟
لأن الإنسان بطبيعته يتذكر المصادفات اللافتة.
عندما تتحدث عن شيء ثم يظهر أمامك إعلان عنه، تشعر فورًا بأن هناك علاقة مباشرة.
لكن في المقابل، قد تمر أمامك مئات الإعلانات يوميًا دون أن تتذكرها.
وهنا يحدث ما يمكن وصفه بـ «تأثير المصادفة اللافتة»: الإعلان الذي جاء بعد الحديث يعلق في ذاكرتك لأنه بدا استثنائيًا.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن كل الحالات مجرد مصادفات؛ فهناك بالفعل أنظمة متقدمة لتحليل البيانات وتخصيص الإعلانات، وهذا هو الجزء الذي يستحق أن نوليه اهتمامًا حقيقيًا.
الحقيقة الأكثر إثارة
ربما لا يحتاج المعلن إلى سماعك حتى يعرف ما قد تشتريه.
قد تكفيه مجموعة من الإشارات:
ماذا تبحث عنه؟
ماذا تشاهد؟
ما الذي تتفاعل معه؟
ما المواقع التي تزورها؟
ما المنتجات التي تهتم بها؟
ما نوع المحتوى الذي يجذبك؟
ثم تأتي الخوارزميات لتجمع هذه التفاصيل وتحللها وتحاول التنبؤ بما قد يثير اهتمامك.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة من مجرد: هل هاتفي يتجسس عليّ؟
السؤال الحقيقي هو:
«كم تعرف التكنولوجيا عني دون أن أشعر؟»
كيف تحمي خصوصيتك؟
لا يعني ذلك أن تتوقف عن استخدام التكنولوجيا، وإنما أن تستخدمها بوعي.
ومن الخطوات المهمة:
مراجعة أذونات التطبيقات بصورة دورية.
إلغاء صلاحيات الميكروفون والكاميرا والموقع عندما لا تكون ضرورية.
مراجعة إعدادات الخصوصية وتخصيص الإعلانات.
التفكير قبل منح أي تطبيق صلاحيات واسعة.
تقليل ربط الخدمات المختلفة بحساب واحد عندما لا تكون هناك حاجة لذلك.
مراجعة التطبيقات القديمة التي لم تعد تستخدمها وحذفها.
الانتباه إلى المواقع والروابط التي تزورها والبيانات التي تشاركها.
فالخصوصية الرقمية لا تبدأ من الشركات فقط، وإنما تبدأ أيضًا من وعي المستخدم.
الجهات ذات الصلة بالمقال
ترتبط هذه القضية بعدد من الجهات والقطاعات المعنية بالتكنولوجيا والخصوصية الرقمية، وفي مقدمتها:
شركات أنظمة تشغيل الهواتف والأجهزة الذكية.
شركات تطوير التطبيقات.
شركات الإعلانات الرقمية.
منصات التواصل الاجتماعي.
الجهات المختصة بحماية البيانات والخصوصية.
الجهات التنظيمية المعنية بالاتصالات والتكنولوجيا.
المستخدمون باعتبارهم أصحاب البيانات والمعلومات الشخصية.
الحقيقة خلف الشاشة
في النهاية، قد لا يكون هاتفك جالسًا في جيبك ليستمع إلى كل كلمة تقولها.
لكن هذا لا يعني أن عالمك الرقمي لا يعرف عنك شيئًا.
ربما لا يسمع الهاتف حديثك... لكنه قد يقرأ آثارك.
بحث صغير هنا، ونقرة هناك، ومشاهدة لمقطع، وتفاعل مع منشور، وموقع تزوره، ومنتج تراه، وحساب تستخدمه في أكثر من خدمة...
كلها تفاصيل تبدو منفصلة، لكنها عندما تجتمع قد تتحول إلى صورة رقمية دقيقة عن اهتماماتك.
وهنا ربما يكون السؤال الحقيقي ليس:
«هل هاتفي يتجسس عليّ؟»
بل:
«هل أصبحت أنا من يترك للتكنولوجيا مفاتيح حياته الرقمية دون أن يشعر؟»
والآن نريد رأيك:
هل حدث معك من قبل أن تحدثت عن شيء، ثم ظهر أمامك إعلان متعلق به بشكل غريب؟ وهل تعتقد أن الأمر مجرد تحليل ذكي للبيانات، أم أن هناك شيئًا آخر لا نعرفه؟
اكتب رأيك وتجربتك في التعليقات، ودعنا نفتح باب النقاش.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق