هناك رقم جديد في المشهد الاقتصادي المصري يستحق التوقف أمامه: نحو 26 ألف شركة جديدة تأسست خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة تقارب 20% عن الفترة نفسها من العام السابق، وبرؤوس أموال مُصدرة بلغت نحو 97.5 مليار جنيه. �
Albosla News +1
لكن كثرة الشركات الجديدة ليست في حد ذاتها دليلًا كافيًا على تحسن بيئة الأعمال.
السؤال الأهم هو: كم شركة من هذه الشركات ستتحول إلى مشروعات حقيقية؟
تأسيس الشركة أصبح أسهل، وهذا أمر إيجابي، لكن الاقتصاد لا ينمو بعدد السجلات التجارية، وإنما بعدد المشروعات التي بدأت الإنتاج، واستمرت، وتوسعت، وخلقت وظائف، ودفعت ضرائب، وأنتجت سلعًا وخدمات قابلة للمنافسة.
وهنا يجب أن ننتقل من مرحلة تسهيل تأسيس الشركة إلى مرحلة تسهيل حياة الشركة بعد تأسيسها.
فالمستثمر قد يستطيع تأسيس شركته خلال فترة قصيرة، لكنه بعد ذلك يواجه أسئلة أكثر صعوبة: أين سيحصل على الأرض؟ كيف يحصل على الترخيص؟ هل التمويل متاح؟ ماذا عن تكلفة الطاقة؟ وماذا عن الضرائب والتأمينات؟ وهل يستطيع استيراد مدخلات الإنتاج بسهولة؟ وهل يستطيع تصدير منتجه دون تعقيدات تؤثر في قدرته التنافسية؟
هذه هي المرحلة التي ستحدد ما إذا كانت الأرقام الحالية مجرد زيادة في تأسيس الشركات أم بداية لتحول حقيقي في الاقتصاد.
والأمر أكثر أهمية بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. فهذه الشركات يمكن أن تكون مصدرًا رئيسيًا للوظائف والصناعة المحلية، لكنها الأكثر تعرضًا للضغط عندما ترتفع تكلفة التمويل أو تتعقد الإجراءات أو تتأخر مستحقاتها.
كما أن تأسيس شركة جديدة لا يعني بالضرورة إضافة طاقة إنتاجية جديدة. قد يكون النشاط تجاريًا أو خدميًا محدودًا، بينما يحتاج الاقتصاد في هذه المرحلة بصورة أكبر إلى الشركات التي تنتج، وتصدر، وتدخل في سلاسل توريد المصانع الكبرى.
لذلك، ربما يكون المؤشر الذي يجب أن نراقبه خلال السنوات المقبلة مختلفًا تمامًا:
ليس كم شركة تأسست؟
بل:
كم شركة بدأت الإنتاج؟
كم شركة نجحت في الاستمرار؟
كم شركة أصبحت مُصدِّرة؟
كم شركة توسعت من مشروع صغير إلى مصنع أو مؤسسة متوسطة؟
وكم وظيفة حقيقية أضافتها هذه الشركات؟
إذا استطعنا الانتقال من 26 ألف شركة جديدة إلى آلاف الشركات المنتجة والمصدرة والمتوسعة، فسنكون أمام تحول اقتصادي حقيقي.
أما إذا ظل النجاح يُقاس بلحظة تأسيس الشركة فقط، فسوف نكون قد سهّلنا ولادة الشركات، دون أن نضمن لها القدرة على البقاء والنمو.
والاقتصاد القوي لا يحتاج فقط إلى أن يكون تأسيس الشركة فيه سهلًا.
يحتاج إلى أن يكون
الفشل فيه أقل احتمالًا عندما يكون المشروع جيدًا، والنجاح فيه قابلًا للتوسع عندما يكون المشروع منتجًا.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق