الأربعاء، 19 أغسطس 2026

في الاقتصاد الحديث، لم تعد قيمة الدولة تُقاس فقط بما تنتجه مصانعها

في الاقتصاد الحديث، لم تعد قيمة الدولة تُقاس فقط بما تنتجه مصانعها، وإنما أيضًا بما تستطيع أن تفعله ببياناتها. ولهذا بدأت البيانات تتحول تدريجيًا إلى أحد أهم الأصول الاقتصادية في العالم.
المؤسسات المالية، والمصانع، وشركات النقل، والمستشفيات، والمتاجر، والحكومات نفسها تنتج كميات هائلة من البيانات يوميًا. لكن امتلاك البيانات وحده لا يصنع قيمة؛ القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه البيانات إلى قرارات أفضل.
في الصناعة مثلًا، تستطيع البيانات أن تكشف أي آلة تستهلك طاقة أكثر من اللازم، ومتى يُحتمل أن تتعطل إحدى المعدات، وأي منتج يحقق أعلى هامش ربح، وأين يحدث الفاقد داخل خط الإنتاج. وفي النقل، يمكن تحليل حركة المركبات لتقليل الوقت والوقود. وفي الزراعة، يمكن استخدام البيانات لتحسين الري والتنبؤ بالإنتاج.
وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المعادلة.
فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ؛ يحتاج إلى بيانات جيدة، ومراكز بيانات، وشبكات اتصالات، وقدرات حوسبة، وأشخاص قادرين على تحليل النتائج وتحويلها إلى قرارات اقتصادية.
وهذا يفتح أمام مصر فرصة مهمة، لكن الفرصة ليست في أن نستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، بل في أن نبني اقتصادًا ينتج البيانات ويعرف كيف يستثمرها.
فالشركات المصرية التي تجمع بياناتها بطريقة منظمة تستطيع أن تصبح أكثر قدرة على التنبؤ بالسوق، وإدارة المخزون، وخفض التكاليف، وتطوير المنتجات. والحكومة التي تستطيع ربط قواعد بياناتها بصورة آمنة يمكنها تحسين التخطيط للخدمات والبنية التحتية والاستثمار.
لكن هناك جانبًا آخر لا يمكن تجاهله: البيانات ليست موردًا اقتصاديًا بلا ضوابط.
كلما زادت قدرة التكنولوجيا على جمع المعلومات وتحليلها، زادت الحاجة إلى حماية الخصوصية، وتحديد من يملك البيانات، ومن يستطيع استخدامها، ولأي غرض.
ولهذا فإن المنافسة المقبلة لن تكون فقط على من يمتلك أكبر كمية من البيانات، وإنما على من يستطيع تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية منها وحماية حقوق أصحابها.
وقد تصبح البيانات بالنسبة للاقتصاد الرقمي شبيهة بالطاقة بالنسبة للصناعة: موردًا أساسيًا لا يمكن بناء اقتصاد حديث من دونه.
لكن الفرق أن البيانات يمكن أن تتضاعف قيمتها عندما تُستخدم بصورة صحيحة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: هل ستدخل مصر عصر الذكاء الاصطناعي؟
بل:
هل سنكتفي باستخدام التكنولوجيا التي ينتجها الآخرون، أم سنمتلك البيانات والمهارات والشركات التي تجعلنا جزءًا من الاقتصاد الذي تُبنى عليه التكنولوجيا؟
الفرق بين الخيارين قد يحدد موقع مصر في الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot