الأربعاء، 19 أغسطس 2026

مصر تجهز عينا عملاقة للسماء

تلسكوب جديد هو الاكبر بالشرق الاوسط لأكتشاف الفضاء. 
بقلم: المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولى لحقوق الإنسان
مراسل صحفى بجريدة قلب الحدث – محرر بجريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية
عندما تنظر مصر إلى السماء بعين أكبر
في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم لتطوير أدواتها العلمية والبحثية، تخطو مصر خطوة جديدة نحو توسيع حضورها في علوم الفلك والفضاء، من خلال مشروع المرصد الفلكي الكبير في جبل الرجوم بجنوب سيناء، الذي يستهدف إنشاء منظومة رصد حديثة قادرة على فتح آفاق أوسع أمام الباحثين لدراسة السماء والظواهر الفلكية وأسرار الكون.
المشروع ليس مجرد تلسكوب جديد يوضع فوق جبل، وإنما يمثل توجهًا علميًا لبناء قدرة أكبر على الرصد والبحث، وربط علوم الفلك بالتطور التكنولوجي والبحث العلمي الحديث.
وقد اختيرت قمة جبل الرجوم، التي يزيد ارتفاعها على 1600 متر، بعد دراسات لاختيار موقع مناسب للمرصد، فيما يستهدف المشروع أن يكون المرصد الجديد الأكبر من نوعه في منطقة الشرق الأوسط.
لماذا جبل الرجوم؟
الموقع ليس اختيارًا عشوائيًا.
فارتفاع جبل الرجوم وطبيعته الجغرافية يجعلان الموقع مناسبًا لمشروع بهذا الحجم، خصوصًا أن جودة الرصد الفلكي ترتبط بعوامل عديدة، من بينها طبيعة الموقع والظروف الجوية ومدى ملاءمة المكان لمراقبة السماء.
وهنا تتحول سيناء من مجرد موقع جغرافي إلى منصة علمية تنظر منها مصر إلى الفضاء.
وقد شهد المشروع بالفعل وضع حجر الأساس لمرصد سيناء الفلكي في فبراير 2024، ضمن خطة إنشاء مرصد جديد يكون بديلًا متطورًا لمرصد القطامية الحالي. 
تلسكوب بمرآة 6.5 متر
الرقم الأكثر إثارة في المشروع هو حجم التلسكوب المستهدف.
فوفق أحدث المعلومات المنشورة عن المشروع، من المقرر تزويد المرصد بمنظار فلكي بمرآة يبلغ قطرها 6.5 متر، وهو ما يمنحه قدرة رصد أكبر بكثير من الإمكانات الحالية لمرصد القطامية. 
وهنا تظهر أهمية حجم المرآة.
فكلما زادت قدرة التلسكوب على جمع الضوء، أصبح بإمكان الباحثين دراسة أجسام سماوية أكثر خفوتًا وبعدًا، والحصول على بيانات أدق تساعد في فهم الظواهر الكونية.
أي أننا لا نتحدث فقط عن رؤية نجوم أكثر، وإنما عن قدرة علمية أكبر على طرح الأسئلة والبحث عن إجابات.
من القطامية إلى سيناء
مرصد القطامية يمثل جزءًا مهمًا من تاريخ الرصد الفلكي المصري، وقد ارتبط بأبحاث واكتشافات فلكية متعددة.
لكن العلم لا يتوقف عند مرحلة معينة.
فالتقنيات التي كانت متقدمة قبل عقود تحتاج اليوم إلى التطوير، وهو ما يفسر الاتجاه إلى إنشاء المرصد الجديد، مع التأكيد أن المشروع لا يعني بالضرورة انتهاء دور القطامية؛ بل يمكن أن تتوزع الأدوار بين مرافق الرصد والبحث والتدريب. 
وهكذا يصبح المشروع الجديد امتدادًا لمسيرة بدأت في مصر منذ مرصد حلوان، ثم مرصد القطامية، وصولًا إلى منظومة أكثر تطورًا في سيناء.
مصر لا تنظر إلى السماء فقط
المثير في المشهد العلمي المصري أن الاهتمام لا يتوقف عند علم الفلك.
فالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية يمتلك أيضًا شبكة قومية لرصد الزلازل تضم نحو 80 محطة، إلى جانب مراكز ومحطات أخرى مرتبطة برصد النشاط الزلزالي وحركة القشرة الأرضية. 
وهذا يعني أن المعهد يعمل في مساحة علمية واسعة تجمع بين الفلك والجيوفيزياء ورصد الأرض والفضاء.
فبينما تنظر أجهزة الرصد إلى السماء، تراقب أجهزة أخرى ما يحدث تحت أقدامنا.
ماذا يمكن أن يضيف المرصد الجديد؟
القيمة الحقيقية للمشروع لن تكون في حجمه فقط، وإنما فيما يمكن أن ينتج عنه من علم.
فالتلسكوب الجديد يمكن أن يفتح مجالات أوسع أمام الباحثين لدراسة النجوم والأجرام السماوية والظواهر الفلكية، وإجراء أبحاث أكثر تقدمًا، والمشاركة في مشروعات علمية تحتاج إلى قدرات رصد كبيرة.
كما أن وجود منشأة علمية بهذا المستوى يمكن أن يساهم في تدريب أجيال جديدة من الباحثين والطلاب، ويمنح مصر فرصة أكبر للمشاركة في المشروعات والتعاونات العلمية الدولية.
السؤال الأكبر.. ماذا سنكتشف؟
هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.
فالسماء التي نراها بالعين المجردة ليست سوى جزء صغير للغاية من عالم هائل.
هناك نجوم تبعد عنا مسافات لا يمكن تصورها، ومجرات، وسدم، وكواكب، وظواهر كونية ما زال العلم يحاول فهم طبيعتها.
ومع كل زيادة في قدرة التلسكوبات، تظهر أسئلة جديدة.
ماذا يوجد خلف ما نراه؟
كيف تشكلت بعض الأجرام السماوية؟
كيف تتطور النجوم والمجرات؟
وإلى أي مدى يمكن أن تكشف الرؤية الأعمق للكون عن أسرار لم نعرفها من قبل؟
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأي مرصد جديد:
ليس فقط في الأشياء التي يستطيع رؤيتها، وإنما في الأسئلة الجديدة التي يستطيع طرحها.
العلم لا يبني تلسكوبًا فقط.. بل يبني مستقبلًا
الاستثمار في علوم الفلك ليس رفاهية كما قد يعتقد البعض.
فالتكنولوجيا المستخدمة في علوم الفضاء والرصد الفلكي ترتبط بتطور أجهزة الاستشعار والاتصالات ومعالجة البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات.
كما أن تطوير البنية البحثية يمنح الباحثين بيئة أفضل للعمل، ويشجع الشباب على الاتجاه إلى العلوم والتخصصات الدقيقة.
ومن هنا، فإن المرصد الجديد يمكن أن يكون مشروعًا علميًا يتجاوز حدود المبنى والتلسكوب إلى بناء قدرات بشرية ومعرفية جديدة.
مصر.. من مراقبة الأرض إلى استكشاف السماء
المشهد في مجمله يحمل رسالة واضحة:
مصر تعمل على تطوير أدواتها في رصد الزلازل والظواهر الجيوفيزيائية، وفي الوقت نفسه تستعد لامتلاك قدرة أكبر في الرصد الفلكي وتتبع الأجرام والظواهر السماوية.
وهذا التكامل بين علوم الأرض والفضاء يضع البحث العلمي أمام مسؤولية أكبر في تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات، والبحث إلى مشروعات تخدم المجتمع.
الجهات ذات الصلة بالمقال
المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية.
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
الجهات العلمية والبحثية المتخصصة في علوم الفلك والفضاء.
الشبكة القومية لرصد الزلازل.
الجامعات والمراكز البحثية المصرية.
الجهات المعنية بالتكنولوجيا والبحث العلمي والابتكار.
المؤسسات والهيئات العلمية الدولية ذات الصلة بأبحاث الفضاء والفلك.
كلمة أخيرة
ربما يكون الإنسان قد اعتاد أن ينظر إلى السماء منذ آلاف السنين بحثًا عن إجابات.
لكن الفارق اليوم أن مصر تستعد للنظر إليها بعين علمية أكبر وأدق.
مرصد سيناء الفلكي ليس مجرد مشروع لرؤية أبعد، وإنما فرصة لأن تعرف مصر أكثر، وتبحث أكثر، وتشارك بصورة أقوى في سباق المعرفة العلمية.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس:
كم نجمًا سنرى بالتلسكوب الجديد؟
بل:
ما السر الكوني الذي قد نكتشفه عندما تصبح أعيننا العلمية أقوى؟
وربما تكون الإجابة القادمة مكتوبة في ضوء نجم بعيد، ينتظر فقط أن تصل إليه العين المصرية العملاقة.
**ما رأيك في مشروع المرصد الفلكي الجديد؟ وهل تعتقد أن مصر قادرة على تحقيق اكتشافات فلكية مهمة من خلاله؟ شاركنا رأيك وتوقعاتك في التعليقات.**

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot