الأحد، 9 أغسطس 2026

مصطفى شعبان يصنع قالبًا دراميًا جديدًا.. «درش» هو الأقوى

كتب: المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الانسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولى لحقوق الانسان. 
لم يعد مسلسل «درش» مجرد عمل درامي يمر على شاشة المشاهد ثم ينتهي بانتهاء حلقاته، بل قدم تجربة مختلفة في شكل الحكاية وطريقة بناء الشخصيات، وفتح مساحة جديدة أمام الدراما المصرية لتجربة أسلوب يعتمد على تعدد الشخصيات والحكايات والبيئات الاجتماعية داخل عمل واحد.
ومنذ بداية الأحداث، استطاع الفنان مصطفى شعبان أن يضع نفسه أمام اختبار تمثيلي صعب، بعدما انتقل بين أكثر من شخصية وأكثر من طبيعة درامية، وهو أمر يحتاج إلى قدرة كبيرة على الفصل بين تفاصيل كل شخصية، سواء في الأداء أو طريقة الحديث أو الانفعالات أو الحضور أمام الكاميرا.
«درش».. لعبة درامية مختلفة
القوة الحقيقية في «درش» لا تكمن فقط في الأحداث، وإنما في طريقة تقديم الأحداث نفسها. فالمسلسل لا يسير وفق قالب تقليدي يقوم على شخصية واحدة وقصة مستقيمة، وإنما يعتمد على تعدد الشخصيات وتشابك الحكايات، وهو ما جعل المشاهد أمام تجربة تحتاج إلى التركيز وربط التفاصيل ببعضها.
ومن هنا ظهرت آراء مختلفة حول العمل؛ فهناك من رأى أن كثرة الشخصيات والتنقل بين الحكايات جعلت بعض الأحداث تحتاج إلى تركيز أكبر، وأن المشاهد قد يشعر أحيانًا بالتشتت، بينما رأى آخرون أن هذه الطريقة تحديدًا هي واحدة من أهم نقاط قوة المسلسل؛ لأنها كسرت النمط المعتاد وقدمت شخصيات متعددة داخل سياق درامي واحد.
والحقيقة أن اختلاف الآراء لا ينتقص من قيمة التجربة، بل يؤكد أن «درش» استطاع أن يخرج بالمشاهد من منطقة المشاهدة التقليدية إلى مساحة أخرى تعتمد على الانتباه والتفكير وربط الأحداث.
مصطفى شعبان أمام تحدٍ تمثيلي كبير
مصطفى شعبان في «درش» لم يعتمد على شخصية واحدة فقط، وإنما قدم مجموعة من الملامح والشخصيات التي تحمل اختلافًا واضحًا في البيئة والتكوين والطريقة.
فنجد أجواء الحكاية الشعبية والصعيدية والإسكندرانية والبورسعيدية، إلى جانب شخصية الشيخ وفا، وشخصيات ذات مكانة اجتماعية مختلفة، الأمر الذي جعل التجربة أشبه باستعراض واسع لقدرة الفنان على الانتقال بين عوالم متعددة.
والصعوبة هنا أن نجاح الممثل لا يكون بمجرد تغيير الملابس أو الشكل، وإنما في قدرته على جعل المشاهد يشعر أن أمامه شخصية مختلفة فعلًا، لها طريقة تفكيرها وحضورها وانفعالاتها الخاصة.
وهذا ما يجعل تجربة مصطفى شعبان في «درش» واحدة من أكثر تجاربه اختلافًا، خصوصًا أن جمع هذه الشخصيات في عمل واحد يحتاج إلى قدر كبير من التركيز والمرونة والأداء المتوازن.
حكيم باشا.. المعلم.. درش.. بابا المجال
الصور والشخصيات التي ارتبطت بالعمل تعكس بوضوح تنوع العالم الدرامي الذي صنعه المسلسل؛ من «حكيم باشا» إلى «المعلم» و**«درش»** و**«بابا المجال»**، وكل شخصية تحمل طبيعة مختلفة، ما يمنح العمل مساحة واسعة لتقديم أنماط متعددة من البشر والمجتمع.
وهنا تظهر قيمة التجربة؛ فالمسلسل لا يقدم شخصيات متشابهة في قالب واحد، وإنما يحاول صناعة اختلاف حقيقي في طبيعة كل شخصية، وهو ما يمنح المشاهد فرصة لمتابعة الفنان وهو ينتقل من حالة درامية إلى أخرى.
لماذا أثار «درش» الجدل؟
الجدل حول العمل يمكن قراءته من زاويتين.
الأولى ترى أن كثرة الشخصيات والحكايات قد تجعل بعض المشاهدين بحاجة إلى تركيز أكبر لفهم العلاقات بين الأحداث.
أما الزاوية الثانية، وهي الأكثر أهمية من وجهة نظري، فتعتبر أن هذا التعدد هو الفكرة الأساسية التي تميز «درش» عن غيره؛ لأن الدراما لا يجب أن تسير دائمًا في طريق واحد، والتجديد أحيانًا يحتاج إلى أن يخرج العمل عن المألوف حتى يختبر قدرة الجمهور على التفاعل مع أسلوب جديد.
فالعمل الذي يثير النقاش، ويجعل الجمهور يختلف حول طريقة بنائه، يكون قد نجح في ترك أثر لدى المشاهد، حتى وإن اختلفت الآراء حول بعض تفاصيله.
دراما مصرية بروح مختلفة
«درش» يقدم محاولة واضحة لصناعة قالب درامي مختلف، يجمع بين أكثر من بيئة وأكثر من مستوى اجتماعي وأكثر من حكاية، ويضعها جميعًا داخل تجربة واحدة.
وهذه النقطة تحديدًا تستحق التقدير؛ لأن الدراما المصرية تحتاج دائمًا إلى أعمال تحاول التجديد بدلًا من تكرار القوالب الناجحة نفسها.
فالمشاهد اليوم أصبح أكثر قدرة على اكتشاف التكرار، ولذلك فإن تقديم تجربة تحمل فكرة مختلفة، وشخصيات متعددة، وانتقالات درامية غير معتادة، يمثل مخاطرة فنية، لكنها في الوقت نفسه قد تكون طريقًا لصناعة مدرسة جديدة في الحكي.
«درش».. تجربة تستحق النقاش
قد يختلف الجمهور حول بعض تفاصيل «درش»، وقد يرى البعض أن بعض الانتقالات تحتاج إلى وضوح أكبر، بينما يرى آخرون أنها جزء من روح العمل، لكن ذلك كله لا يلغي أن المسلسل قدم تجربة مختلفة وجريئة.
ومصطفى شعبان استطاع أن يدخل منطقة تمثيلية صعبة، تعتمد على تعدد الشخصيات واختلاف البيئات والمقامات، وهو ما يجعل العمل تجربة مهمة في مسيرته الفنية.
وفي النهاية، يمكن القول إن «درش» ليس مسلسلًا تقليديًا يريد من المشاهد أن يجلس ويتابع فقط، بل مسلسل يريد منه أن يركز، ويربط، ويفكر، ويكتشف.
ولهذا، فإن اختلاف الآراء حوله لا يقلل من أهميته، بل ربما يكون دليلًا على أنه استطاع أن يترك بصمته ويصنع حالة خاصة.
مصطفى شعبان يصنع قالبًا دراميًا جديدًا.. و«درش» يثبت أن الدراما المصرية ما زالت قادرة على التجديد والمغامرة وتقديم أفكار مختلفة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot