الجمعة، 28 أغسطس 2026

ما بين لذةٍ عابرة وراحةِ بالٍ باقية

د.سوهير الطويل استشاري نفسي واسري وتربوي 

لا تستبدل راحة قلبك بلذةٍ عابرة، ولا تجعل لحظة شهوة تهدم طمأنينة عمر.

فما كان خبيثًا لا يصبح طيبًا لأن النفس اشتهته، وما كان حرامًا لا يصبح حلالًا لأن القلب تعلّق به، وما أُخذ في الظلام لا يساوي أبدًا ما يُؤخذ في نور الحلال ورضا الله.

قال تعالى:

﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾
المائدة: 100

قد يعجبك الخبيث، وقد تغريك الشهوة، وقد يبدو الحرام في لحظته سهلًا وممتعًا… لكن كثرة الإغراء لا تجعل الخطأ صوابًا، وقوة الرغبة لا تجعل الحرام حلالًا.

المشكلة أن الإنسان أحيانًا يرى لذة اللحظة ولا يرى مرارة ما بعدها.

يرى الرسالة ولا يرى القلق الذي سيأتي بعدها.
يرى اللقاء ولا يرى الخوف من انكشافه.
يرى الشهوة ولا يرى الندم.
يرى الإعجاب ولا يرى ما يتركه الخداع في القلوب.
يرى لحظة المتعة ولا يرى الثمن الذي قد يدفعه دينًا وكرامةً وراحةَ بال.

ولهذا قال النبي ﷺ:

«إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات...»
متفق عليه.

فالإسلام لم يطلب منك أن تكون بلا رغبات، ولم ينكر احتياج الإنسان إلى الحب والمودة والقرب، ولكنه علّمك أن الرغبة لا تُعطيك الحق في تجاوز حدود الله.

ولهذا قال النبي ﷺ للشباب:

«يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء»
متفق عليه.

أي أن الإسلام لم يقل لك: اقتل رغبتك، وإنما قال لك: نظّمها، واحفظها، وضعها في الطريق الذي يليق بها.

فالعِفّة ليست حرمانًا…

العِفّة أن تعرف أنك تستطيع، ثم تختار ألا تفعل.

أن تكون لديك فرصة للخطأ، لكن بينك وبين الخطأ خوف من الله.

أن تستطيع أن تخون، لكنك تختار الوفاء.

أن تستطيع أن تكذب، لكنك تختار الصدق.

أن تستطيع أن تمد يدك إلى الحرام، لكنك تسحبها لأنك تعرف أن الله يراك.

وهنا تظهر قوة الإنسان الحقيقية.

قال تعالى:

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
الطلاق: 2-3.

فلا تظن أنك حين تترك الحرام قد خسرت فرصة.

ربما أنت في الحقيقة تحمي نفسك من خسارة أكبر.

ولا تظن أن الله سيتركك بلا بديل لأنك اخترت العفة.

فالنبي ﷺ يقول:

«ومن يستعفف يُعفَّه الله، ومن يستغنِ يُغنِه الله»
متفق عليه.

يا من تقاوم شهوة، أو تغلق باب علاقة تعرف أنها لا ترضي الله، أو تبتعد عن شخص يجرّك إلى ما لا يليق بك…

لا تعتبر نفسك محرومًا.

اعتبر نفسك قويًا.

أنت لا تحرم نفسك من الحب، بل تحفظ قلبك للحب الذي لا يحتاج إلى كذبة.

لا تحرم نفسك من القرب، بل تحفظ جسدك وكرامتك للقرب الذي يأتي من باب الحلال.

لا ترفض السعادة، بل ترفض أن تدفع ثمنها من دينك وضميرك وراحة بالك.

وتذكّر دائمًا:

ما عند الله لا يُنال بمعصيته.

فأصلح باطنك قبل ظاهرك، واستعن بالله على نفسك، وأغلق الأبواب التي تعرف أنها تضعفك، ولا تختبر قدرتك على المقاومة كل مرة.

فالإنسان العاقل لا يقف أمام النار ليثبت لنفسه أنه لا يحترق.

وإذا ضاقت عليك نفسك، فتذكر وعد الله:

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾
الطلاق: 4.

ثق أن ما تركته لله لن يكون فراغًا إلى الأبد، وأن ما كتبه الله لك من الحلال سيأتيك في وقته، وأن الشيء الذي يأتيك في نور الطاعة أطيب من شيء تحصل عليه في ظلام الخطيئة.

فلا تقارن لذة دقائق براحة قلب قد تمتد سنوات.

ولا تقارن خُبث الشهوة بطهارة الحلال.

ولا تقارن نشوة الخيانة بطمأنينة الوفاء.

ولا تجعل لحظة ضعف تسرق منك إنسانًا تحترمه حين تنظر إلى نفسك في المرآة.

اختر ما يبقى… لا ما يلمع لحظة ثم يحترق.

واختر رضا الله، حتى لو خالفت رغبتك.

فربما كان أعظم انتصار لك في الحياة…

أن تقول لنفسك: أستطيع، لكنني لا أريد أن أخسر الله من أجل لحظة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot