كتبت هذا المقال ✍🏻
أ/ هبة رأفت. أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
مستشارة علاقات دبلوماسية وحقوق إنسان
الخلاف بين الزوجين أمر طبيعي في أي حياة مشتركة فاختلاف الشخصيات والاحتياجات والآراء قد يؤدي أحيانًا إلى التوتر والاختلاف لكن المشكلة الحقيقية لا تبدأ من وجود الخلاف وإنما من الطريقة التي يحدث بها أمام الأبناء
فالطفل الذي يشاهد والديه يتشاجران باستمرار لا يرى مجرد خلاف بين شخصين بالغين بل قد يشعر أن الأمان الذي يعتمد عليه أصبح مهددًا
عندما يسمع الطفل الصراخ أو الإهانة أو التهديد بالانفصال قد يبدأ في طرح أسئلة أكبر من عمره
هل أبي وأمي سيفترقان
من سيبقى معي
هل أنا السبب
هل سيتركنا أبي
هل أمي حزينة بسببي
وهنا قد يحمل الطفل مشاعر لا يستطيع التعبير عنها
قد يصبح أكثر عصبية
أو أكثر خوفًا
أو ينسحب من الآخرين
أو تتراجع دراسته
أو تظهر لديه مشكلات في النوم
أو يصبح شديد التعلق بأحد الوالدين
وأحيانًا يحاول الطفل أن يتدخل بين الأب والأم لإيقاف الخلاف فيشعر أنه مسؤول عن إصلاح علاقة الكبار
وهذا حمل نفسي أكبر من قدرته
أخطر ما يحدث عندما يتحول الطفل إلى طرف في الخلاف
قد يحاول أحد الزوجين كسب الطفل إلى جانبه فيقول له إن والدك هو السبب
أو والدتك لا تفهمني
أو أنا أفعل كل شيء من أجلكم
أو انظر ماذا فعلت أمك
وهنا يصبح الطفل في صراع ولاء
فهو يحب والده ويحب والدته ولا يريد أن يشعر بأنه مطالب باختيار أحدهما
وقد يشعر بالذنب إذا أحب أحدهما أو قضى وقتًا سعيدًا معه
لذلك من أخطر الأخطاء أن نجعل الأبناء رسلًا بين الزوجين أو قضاة يحكمون من المخطئ أو أدوات للضغط على الطرف الآخر
هل يجب أن نخفي كل خلاف عن الأبناء؟
ليس المطلوب أن يعيش الطفل في وهم أن والديه لا يختلفان أبدًا
فالطفل يحتاج أيضًا أن يتعلم أن الاختلاف جزء طبيعي من العلاقات وأن المشكلة يمكن حلها بالحوار والاحترام
لكن هناك فرق كبير بين أن يرى الطفل اختلافًا هادئًا ينتهي إلى تفاهم وبين أن يعيش وسط صراخ وتهديد وإهانة مستمرة
الأهم أن يتعلم الطفل أن الخلاف لا يعني انهيار الأسرة وأن الغضب لا يعني فقدان الحب وأن الاختلاف يمكن أن ينتهي بالاعتذار والحل
إذا حدث الخلاف أمام الأبناء ماذا نفعل؟
إذا ارتفع الصوت أمام الطفل فمن المهم بعد انتهاء الخلاف أن يشعر بالأمان
يمكن أن نقول له
نحن اختلفنا في موضوع بيننا لكن هذا ليس بسببك
أنت لست مسؤولًا عن حل مشكلتنا
نحن نحبك وسنظل والديك
وإذا أخطأ أحد الوالدين في حق الآخر فمن المهم أن يرى الطفل نموذجًا صحيًا للاعتذار وتحمل المسؤولية
فالاعتذار أمام الطفل ليس ضعفًا
بل درس تربوي مهم
لا تجعلوا الطفل يعيش في حالة انتظار
من أكثر الأشياء التي ترهق الأبناء أن يشعروا أن كل يوم قد يحمل انفصالًا جديدًا أو تهديدًا جديدًا
تكرار عبارات مثل
هطلقك
هسيب البيت
مش هكمل معاك
أو سأترككم
قد يجعل الطفل يعيش في حالة ترقب وخوف حتى لو لم يحدث الانفصال بالفعل
لذلك يجب ألا تستخدم تهديدات الانفصال كسلاح أثناء الخلافات
فالطفل لا يستطيع التعامل مع هذه الكلمات باعتبارها مجرد لحظة غضب
قد يحملها معه طوال اليوم وربما طوال سنوات
احموا صورة كل والد أمام أبنائه
حتى إذا كانت العلاقة الزوجية مليئة بالمشكلات يجب ألا يتحول الطفل إلى ساحة لتصفية الحسابات
لا تقل لابنك والدك أناني
ولا تقل لابنتك والدتك لا تهتم بنا
لا تستخدم أسرار العلاقة الزوجية أمام الأطفال
ولا تجعلهم يختارون بينكما
يمكن أن يكون هناك خلاف زوجي شديد ومع ذلك يبقى الأب أبًا وتحافظ الأم على مكانتها كأم
هذا الفصل مهم جدًا في حماية الطفل نفسيًا
ماذا يحتاج الطفل من والديه؟
يحتاج إلى الشعور بالأمان
يحتاج أن يعرف أنه محبوب من الطرفين
يحتاج إلى روتين مستقر قدر الإمكان
يحتاج إلى أن يعرف أن مشكلات الكبار ليست مسؤوليته
يحتاج إلى مساحة للتعبير عن خوفه وأسئلته
ويحتاج إلى أن يرى أن الخلاف يمكن أن يُدار دون إهانة أو تهديد أو عنف
وماذا لو أصبحت الخلافات مستمرة؟
إذا تحولت الخلافات إلى نمط يومي من الصراخ أو الإهانة أو التهديد أو العنف أو القطيعة الطويلة فإن الأمر لم يعد مجرد اختلاف عابر
هنا تصبح حماية الأبناء أولوية
وقد يحتاج الزوجان إلى تدخل متخصص في الإرشاد الزواجي لمساعدتهما على فهم نمط الصراع وإعادة بناء طريقة التواصل
وإذا كان هناك عنف أو تهديد حقيقي فإن الأولوية تكون للأمان والحماية وليس فقط لتحسين التواصل
رسالة لكل أب وأم
قد تنتهي المشكلة بينكما بعد ساعة
لكن المشهد قد يبقى في ذاكرة طفلك سنوات
لذلك عندما تشعران أن الخلاف بدأ يتصاعد اسألا نفسيكما
هل نريد أن يتعلم أبناؤنا أن الخلاف يعني الصراخ والإهانة
أم نريد أن يتعلموا أن الاختلاف يمكن أن يحدث مع الحفاظ على الاحترام؟
الأبناء لا يحتاجون والدين لا يختلفان أبدًا
بل يحتاجون والدين يعرفان كيف يختلفان دون أن يهدم أحدهما شعور الطفل بالأمان
لا تجعلوا أبناءكم شهودًا على معارك الكبار
فالطفل ليس طرفًا في الخلاف
وليس رسولًا بين الزوجين
وليس قاضيًا
وليس مسؤولًا عن إنقاذ الأسرة
إنه فقط طفل يحتاج أن يشعر أن والديه مهما اختلفا ما زالا قادرين على حمايته ومنحه الحب والأمان.
بارك الله فيك يادكتورة
ردحذف