الاثنين، 10 أغسطس 2026

في الاقتصاد، لا تكون المشكلة دائمًا في نقص الأموال، وإنما في اتجاه الأموال. فقد تتوافر السيولة في السوق

في الاقتصاد، لا تكون المشكلة دائمًا في نقص الأموال، وإنما في اتجاه الأموال. فقد تتوافر السيولة في السوق، لكن إذا لم تجد طريقها إلى الاستثمار والإنتاج، فإن أثرها على النمو يظل محدودًا.

رأس المال الذي يدخل مصنعًا جديدًا، أو يوسع خط إنتاج قائمًا، أو يمول تكنولوجيا أكثر كفاءة، لا يتحرك مرة واحدة فقط؛ بل يبدأ دورة اقتصادية كاملة. فالمشروع يشتري خامات، ويدفع أجورًا، ويتعامل مع شركات نقل وخدمات، ثم يبيع إنتاجه، وقد يصل به إلى أسواق خارجية. وهكذا تتحول الأموال إلى إنتاج ودخل وفرص عمل.

أما الأموال التي تتحرك داخل الاقتصاد دون أن تضيف قيمة إنتاجية حقيقية، فقد ترفع النشاط لفترة قصيرة، لكنها لا تبني بالضرورة أساسًا مستدامًا للنمو. ولذلك فإن السؤال الأهم في أي سياسة اقتصادية ليس فقط: كم حجم التمويل المتاح؟ وإنما: إلى أين يذهب هذا التمويل؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في أوقات ارتفاع تكلفة الاقتراض؛ لأن رأس المال يصبح موردًا يجب استخدامه بكفاءة أكبر. فالمشروع الذي يحصل على تمويل يحتاج إلى توجيهه إلى أصل أو نشاط قادر على توليد تدفقات نقدية تغطي التكلفة وتحقق عائدًا مناسبًا، وإلا تحول التمويل إلى ضغط مستمر على السيولة.

ومن هنا تأتي أهمية توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، والصناعات ذات القيمة المضافة، والمشروعات القادرة على التصدير والإحلال محل الواردات. فكل جنيه يتم توجيهه إلى نشاط منتج يمكن أن يولد قيمة تتجاوز قيمته الأصلية، بينما قد يؤدي التمويل غير المدروس إلى تضخيم الالتزامات دون زيادة مماثلة في القدرة على السداد.

 ليست قوة الاقتصاد في حجم الأموال التي تتحرك داخله، وإنما في قدرته على تحويل هذه الأموال إلى قيمة حقيقية. فالتمويل عندما يذهب إلى الإنتاج يصبح وقودًا للنمو، وعندما يذهب إلى الاستهلاك أو تغطية الاختلالات المستمرة دون علاج أسبابها، قد يتحول إلى عبء مؤجل.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إدارة أذكى لرأس المال: تمويل أكثر ارتباطًا بالإنتاج، واستثمار أكثر ارتباطًا بالسوق، وقرارات مالية تُبنى على قدرة حقيقية على توليد الدخل، لا على مجرد توافر السيولة.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot