أحد أكثر التحولات أهمية في الاقتصاد العالمي اليوم هو انتقال المنافسة من جذب رؤوس الأموال فقط إلى جذب العقول والمهارات. فالمصنع الحديث قد يحتاج إلى عدد أقل من العمال، لكنه يحتاج إلى مهندسين وفنيين ومبرمجين وعمالة مدربة تستطيع التعامل مع التكنولوجيا المتقدمة.
وهذا يضع سوق العمل أمام تحدٍ جديد. فوجود أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل لا يعني بالضرورة توافر العمالة التي تحتاج إليها الشركات. قد يكون هناك نقص في مهارة محددة، بينما توجد وفرة في تخصصات أخرى لا يتناسب خريجوها مع احتياجات السوق.
لذلك أصبحت مواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات الاقتصاد قضية إنتاجية وليست قضية تعليمية فقط. فكلما اقتربت المهارات التي يمتلكها العامل من المهارات التي يحتاجها المصنع أو الشركة، انخفضت تكلفة التدريب، وارتفعت الإنتاجية، وتحسنت قدرة الشركات على التوسع.
والأمر لا يتعلق بالشباب فقط؛ فالتكنولوجيا تتغير بسرعة تجعل إعادة تأهيل العاملين الموجودين بالفعل ضرورة مستمرة. فالعامل الذي تعلم استخدام آلة تقليدية قد يحتاج إلى مهارات مختلفة تمامًا للتعامل مع خطوط إنتاج مؤتمتة أو أنظمة تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي.
كما أن الاستثمار في المهارات يرفع جاذبية الدولة للاستثمارات النوعية. فالمستثمر الذي يبحث عن مصنع متطور لا يبحث فقط عن الأرض والطاقة، بل يسأل أيضًا: هل سأجد الأشخاص القادرين على تشغيل هذا المصنع بكفاءة؟
لهذا، فإن معركة الاقتصاد المقبلة ستكون إلى حد كبير معركة مهارات. والدولة التي تستطيع تحويل التعليم والتدريب إلى جزء من منظومة الإنتاج ستمنح اقتصادها ميزة تنافسية حقيقية؛ لأن رأس المال يمكن أن ينتقل من مكان إلى آخر، والتكنولوجيا يمكن شراؤها، أما بناء قاعدة بشرية قادرة على استخدامها وتطويرها فهو استثمار يحتاج إلى سنوات.
ومن هنا، فإن أفضل استثمار طويل الأجل ليس دائمًا في المباني والمعدات، بل في الإنسان الذي يستطيع أن يجعل هذه المعدات أكثر إنتاجًا، ويحوّل التكنولوجيا إلى قيمة، ويمنح الاقتصاد القدرة على التطور بدلًا من مجرد مواكبة الآخرين.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق