بقلم: رغدة رجب عبدالعال أبو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
في شوارع مدينة مغاغة، لم تعد ظاهرة الباعة الجائلين مجرد مشهد عابر يمكن التغاضي عنه، بل أصبحت ظاهرة متنامية تفرض نفسها على المواطنين يومًا بعد يوم، وتفتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول الرقابة على الأسواق، ومدى الالتزام بالتراخيص، وسلامة السلع المعروضة، وآليات ضبط الأسعار.
المشكلة ليست في البائع الذي يبحث عن مصدر رزق شريف، ولا في المواطن الذي يسعى إلى شراء احتياجاته بأسعار مناسبة، وإنما في الفوضى التي قد تنشأ عندما تتحول الشوارع والأرصفة إلى أسواق مفتوحة بلا ضوابط واضحة، وعندما تُعرض السلع دون معرفة مصدرها أو مدى صلاحيتها، ودون وجود سعر معلن وموحد يضمن للمواطن حقه في معرفة ما يدفعه مقابل السلعة.
بائع بلا ترخيص.. وسلعة بلا بيانات!
من المشاهد التي تحتاج إلى وقفة جادة انتشار عدد من الباعة الجائلين الذين يمارسون البيع في أماكن مختلفة داخل المدينة، وسط تساؤلات مشروعة من المواطنين:
هل جميع هذه الأنشطة حاصلة على التراخيص اللازمة؟
ومن المسؤول عن التأكد من التزام البائعين بالاشتراطات القانونية والصحية؟
وماذا عن السلع التي لا تحمل بيانات واضحة عن مصدرها أو تاريخ إنتاجها وصلاحيتها؟
هذه ليست أسئلة للجدل، وإنما أسئلة تتعلق مباشرة بحق المواطن في سوق آمن ومنضبط.
فالسلعة التي تصل إلى يد المواطن يجب أن تكون معلومة المصدر، واضحة البيانات، مستوفية للاشتراطات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأغذية والمشروبات والمنتجات التي يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في صحة الإنسان.
جودة مجهولة.. وأسعار تختلف من شارع إلى شارع!
الأمر لا يتوقف عند مسألة التراخيص.
هناك أيضًا شكاوى متداولة بين المواطنين بشأن تفاوت أسعار بعض السلع من بائع إلى آخر، وغياب السعر المعلن في بعض نقاط البيع، وهو ما يضع المواطن أمام واقع قد يضطر فيه إلى شراء السلعة بالسعر الذي يحدده البائع.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
أين الرقابة على الأسعار؟
إذا كان المواطن يدخل السوق ولا يعرف السعر الحقيقي للسلعة، وإذا كانت السلعة نفسها تُباع بأكثر من سعر في المكان نفسه أو في أماكن متقاربة، فمن يحمي المستهلك من الاستغلال؟
إن غياب السعر المعلن يفتح الباب أمام الاجتهادات الشخصية، ويجعل المستهلك الطرف الأضعف في عملية البيع والشراء.
الصحة أولًا.. فهل هناك رقابة على الأغذية المعروضة في الشوارع؟
الأخطر من ارتفاع الأسعار هو ما يتعلق بالسلع الغذائية.
فالطعام الذي يُعرض في الشارع يحتاج إلى اشتراطات خاصة تتعلق بالنظافة، وطريقة التخزين، ودرجة الحرارة المناسبة لبعض المنتجات، ومصدر السلعة، وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الرقابي للجهات الصحية المختصة، بالتنسيق مع الأجهزة التنفيذية والرقابية، للتأكد من أن ما يصل إلى مائدة المواطن آمن وصالح للاستهلاك.
فليس مقبولًا أن يعرف المواطن بعد فوات الأوان أن سلعة اشتراها لم تكن مستوفية للاشتراطات الصحية.
مغاغة تحتاج إلى حملات حقيقية.. لا حملات موسمية
المطلوب ليس مطاردة البائع الجائل أو التضييق على من يبحث عن لقمة عيشه.
المطلوب هو تنظيم السوق.
تنظيم أماكن البيع، ومراجعة التراخيص، وفحص السلع، وإلزام البائعين بإعلان الأسعار، والتأكد من مصدر المنتجات، واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين.
والأهم أن تكون الرقابة مستمرة وليست موسمية؛ لأن المشكلة لا تنتهي بانتهاء حملة تفتيش، وإنما تحتاج إلى متابعة متواصلة تضمن استقرار السوق وحماية المواطن.
رسالة إلى الجهات الرقابية.. المواطن ينتظر الإجابة
من هنا، نضع هذه القضية أمام الجهات المختصة، وفي مقدمتها الجهات التنفيذية والرقابية المعنية بتنظيم الأسواق وحماية المستهلك، والجهات الصحية ومكاتب التفتيش والرقابة المختصة، كلٌّ في نطاق اختصاصه.
ونطالب بفتح ملف واضح حول:
- مدى التزام الباعة الجائلين بالتراخيص القانونية.
- مصدر السلع والمنتجات المعروضة للبيع.
- مدى مطابقة الأغذية للمعايير والاشتراطات الصحية.
- وجود أسعار معلنة وواضحة للمستهلك.
- أسباب تفاوت الأسعار إن وُجدت.
- مدى وجود حملات تفتيش دورية على الأسواق ومناطق البيع.
- اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه أي مخالفات تثبتها أعمال التفتيش.
- وفي الوقت نفسه، وضع حلول تنظيمية للباعة الذين يبحثون عن مصدر رزق، بما يحقق التوازن بين حق المواطن في سوق منضبط وحق البائع في العمل الكريم.
السوق ليس ساحة للفوضى.. والمواطن ليس الحلقة الأضعف
إن تنظيم الأسواق لا يعني إغلاق أبواب الرزق أمام البسطاء، وإنما يعني أن تكون هناك قواعد واحدة تطبق على الجميع.
فمن حق البائع أن يعمل، ولكن من حق الدولة أن تعرف من يبيع، وماذا يبيع، وأين يبيع.
ومن حق المواطن أن يشتري، ولكن من حقه أيضًا أن يعرف السعر والجودة والمصدر والصلاحية.
أما أن تتحول الشوارع إلى أسواق مفتوحة، والأسعار إلى أرقام متغيرة، والجودة إلى أمر مجهول، والرقابة إلى سؤال بلا إجابة، فهنا يصبح الصمت غير مقبول.
مغاغة تستحق سوقًا منظمًا، وبائعًا ملتزمًا، وسلعة آمنة، وسعرًا واضحًا، ورقابة حقيقية.
والرسالة الأخيرة إلى كل الجهات المعنية:
انزلوا إلى الشارع.. راقبوا الأسواق.. اسمعوا شكاوى المواطنين.. افحصوا السلع.. راجعوا التراخيص.. واضبطوا المخالفات.
فالمواطن لا يريد أكثر من حقه الطبيعي:
أن يشتري سلعة آمنة، بسعر عادل، من مكان منضبط، وتحت رقابة تحميه.
وهذا ليس مطلبًا مبالغًا فيه...
إنه أبسط حقوق المواطن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق