الأربعاء، 12 أغسطس 2026

التصريح الذي يقول إن وجود إنتاج محلي من الإنسولين يعني عدم وجود مبرر لاستيراد أي إنسولين، يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة.

التصريح الذي يقول إن وجود إنتاج محلي من الإنسولين يعني عدم وجود مبرر لاستيراد أي إنسولين، يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة.

نحن جميعًا مع توطين صناعة الدواء، ومع أن تمتلك مصر القدرة على إنتاج احتياجاتها الدوائية بدلًا من إنفاق ملايين الدولارات على الاستيراد. لكن توطين الصناعة لا يعني أن جميع أنواع الإنسولين شيء واحد.

هذه حقيقة طبية أساسية.

هناك إنسولين سريع المفعول، وقصير المفعول، ومتوسط المفعول، وطويل أو ممتد المفعول، ولكل نوع خصائصه واستخداماته وجرعاته وتوقيته وتأثيره، ويحدد الطبيب النظام العلاجي المناسب وفقًا لحالة كل مريض.

لذلك لا يمكن اختزال المسألة في عبارة: «لدينا إنسولين مصري، إذن لا نحتاج إلى المستورد».

والسؤال هنا ليس: هل تنتج مصر الإنسولين؟

السؤال الصحيح هو: أي أنواع الإنسولين تنتج مصر؟ وبأي كميات؟ وهل تغطي هذه الكميات احتياجات المرضى الفعلية؟

مصر تمتلك بالفعل قاعدة إنتاج محلية مهمة. فهناك مصانع تنتج الإنسولين البشري التقليدي، وتُعلن شركة المهن الطبية عن طاقة إنتاجية تبلغ نحو 18 مليون فيال سنويًا، بينما تبلغ الطاقة المعلنة لشركة SEDICO نحو 4.8 مليون فيال، أي ما يقارب 22.8 مليون فيال.

وإذا كان احتياج السوق المصري يُقدّر بنحو 13 مليون فيال سنويًا، فإن مقارنة الرقمين قد توحي بأن الإنتاج المحلي يتجاوز الاحتياجات.

لكن هذه المقارنة وحدها لا تكفي.

لأن الحديث عن «13 مليون فيال من الإنسولين» لا يعني أن جميع أنواع الإنسولين المطلوبة متوافرة بالكميات المناسبة. فالاحتياجات لا تُقاس بالعدد الإجمالي للفيالات فقط، وإنما بنوع الإنسولين وتركيزه وشكله الدوائي ونمط استخدامه.

وماذا عن الإنسولين طويل المفعول؟

لقد بدأت مصر بالفعل في إنتاج Glargine محليًا من خلال شركة EVA Pharma، وهي خطوة مهمة جدًا في طريق توطين الصناعة.

لكن إنتاج نوع واحد من الإنسولين طويل المفعول لا يعني بالضرورة إنتاج جميع أنواع الإنسولين طويلة المفعول، كما أن وجود إنتاج محلي لبعض الأنواع لا يعني انتهاء الحاجة إلى استيراد الأنواع الأخرى.

ولا تزال هناك أنواع من الإنسولين، خصوصًا بعض نظائر الإنسولين السريعة وطويلة المفعول، تعتمد بدرجات مختلفة على الاستيراد، إلى جانب اختلاف الأشكال الدوائية بين الفيالات والأقلام والخرطوشات وغيرها.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية:

إذا كانت مصر استوردت في عام 2024 نحو 29.7 مليون دولار من مستحضرات الإنسولين المخصصة للبيع بالتجزئة، فماذا استوردنا تحديدًا؟

هل استوردنا أنواعًا لا تُنتج محليًا؟

هل استوردنا أنواعًا طويلة المفعول؟

هل استوردنا أنواعًا سريعة المفعول؟

هل الاستيراد يتعلق بالأقلام والخرطوشات؟

أم أن جزءًا منه يتعلق بمدخلات الإنتاج أو أصناف علاجية محددة؟

هذه هي الأرقام التي يجب أن تكون واضحة عند الحديث عن الاكتفاء الذاتي.

فإذا كان هناك احتياج حقيقي إلى نوع معين من الإنسولين، ولم يكن هناك مصنع مصري ينتجه بالكميات الكافية، فالمشكلة ليست في المريض الذي يحتاج إلى المستورد.

المشكلة أن الصناعة المحلية لم تغطِّ هذا الاحتياج بعد.

والأمر يصبح أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى سوق الإنسولين طويل المفعول، الذي تُقدّر قيمته بنحو 77 مليون دولار في عام 2024. نحن لا نتحدث هنا عن سوق صغير أو عن عدد محدود من المرضى، وإنما عن جزء مهم من سوق الإنسولين.

لذلك، بدلًا من أن يكون السؤال: «لماذا نستورد؟»، ينبغي أن يكون السؤال:

ما الأنواع التي لا ننتجها؟ ولماذا لا ننتجها؟ وما حجم الطلب عليها؟ ومتى نستطيع توطينها؟

هذا هو الطريق الحقيقي لتوطين صناعة الدواء.

نحن لا نعارض الصناعة المصرية، بل نريد لها أن تتوسع وتنتج جميع الأنواع التي يحتاج إليها المرضى، وأن تتحول مصر من سوق مستورد إلى مركز إقليمي لصناعة الإنسولين وتصديره إلى أفريقيا والشرق الأوسط.

لكن لا يمكن أن يكون منع الاستيراد هو نقطة البداية قبل توفير البديل العلاجي الكامل.

لأن المريض قد يكون مستقرًا طبيًا على نوع محدد من الإنسولين، وتغيير العلاج ليس قرارًا إداريًا، وإنما قرار طبي يحدده الطبيب وفقًا لحالة المريض واستجابته للعلاج.

فهل يُطلب من المريض تغيير علاجه لأن النوع الذي اعتاد عليه غير منتج محليًا؟

أم يُطلب منه شراء علاجه المستورد من ماله الخاص؟

في الحالتين، يدفع المريض الثمن.

والأخطر أن ننظر إلى جميع أنواع الإنسولين باعتبارها منتجًا واحدًا، ثم نحسب عدد المصانع والفيالات، ونعلن أننا حققنا الاكتفاء الذاتي.

هذه ليست طريقة لقياس الاكتفاء؛ هذه طريقة لقياس عدد المصانع.

أما الاكتفاء الحقيقي فيُقاس بقدرة الصناعة على توفير كل الاحتياجات العلاجية الأساسية بالكميات والأشكال الدوائية المناسبة، وبجودة مستقرة، وبسعر يمكن للمريض تحمله.

توطين صناعة الدواء لا يعني أن نجبر المريض على استخدام ما هو متاح.

توطين صناعة الدواء يعني أن نطوّر الصناعة حتى يصبح ما يحتاج إليه المريض متاحًا داخل بلده.

والهدف في النهاية ليس أن نقول: «لدينا إنسولين مصري».

الهدف أن نستطيع أن نقول:

لدينا كل أنواع الإنسولين التي يحتاج إليها مرضانا، وننتجها بكفاءة، وننافس بها عالميًا، ونصدّرها إلى العالم.

عندها فقط يمكن أن نقول إننا حققنا توطينًا حقيقيًا لصناعة الإنسولين، ووضعنا مصلحة المريض في قلب السياسة الدوائية.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot