الأربعاء، 12 أغسطس 2026

في الاقتصاد، هناك فرق بين أن تمتلك موردًا طبيعيًا وأن تمتلك القدرة على تحويله إلى قوة اقتصادية مستدامة.

في الاقتصاد، هناك فرق بين أن تمتلك موردًا طبيعيًا وأن تمتلك القدرة على تحويله إلى قوة اقتصادية مستدامة.

وهذا هو الدرس الأهم من ملف الغاز المصري.

فبعد سنوات كانت فيها مصر تنظر إلى الغاز باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة والإيرادات، واجه القطاع خلال الفترة الماضية ضغوطًا دفعت البلاد إلى الاعتماد بدرجات أكبر على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق المحلية. ولذلك فإن الإعلان عن استهداف زيادة نشاط البحث والاستكشاف بنحو 20%، بالتوازي مع العمل على رفع معدلات تشغيل المصافي إلى أكثر من 80%، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد أرقام تخص قطاع البترول.

القضية أكبر من ذلك بكثير.

الغاز بالنسبة للاقتصاد ليس مجرد وقود يصل إلى محطات الكهرباء. إنه عنصر أساسي في تكلفة الصناعة، وفي إنتاج الأسمدة والبتروكيماويات، وفي تشغيل المصانع، وفي قدرة الدولة على توفير احتياجاتها من الطاقة دون ضغط مستمر على العملة الأجنبية.

ولهذا فإن زيادة الإنتاج المحلي من الغاز لا تعني فقط تقليل فاتورة الاستيراد، وإنما يمكن أن تعني أيضًا تحسين قدرة قطاعات إنتاجية كاملة على النمو.

لكن التحدي الحقيقي هو ألا نتعامل مع زيادة الإنتاج باعتبارها هدفًا منفصلًا. فالأهم هو بناء سياسة تجعل الاستثمار في البحث والاستكشاف مستمرًا، وتوفر حوافز اقتصادية حقيقية للشركات، وتضمن سرعة تطوير الاكتشافات وتحويلها إلى إنتاج فعلي.

كما أن رفع كفاءة المصافي يمثل جزءًا آخر من المعادلة. فامتلاك الخام أو الغاز لا يكفي إذا كانت قدرة الدولة على تكريره وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة محدودة. القيمة الاقتصادية الأكبر تأتي عندما نستطيع تحويل الموارد إلى صناعات ومنتجات نهائية بدلًا من الاكتفاء ببيع المادة الخام أو استيراد المنتجات بعد ذلك.

وهنا يمكن أن يتحول ملف الطاقة من عبء على الاقتصاد إلى محرك للنمو.

فكل وحدة غاز يتم إنتاجها محليًا يمكن أن تخدم مصنعًا، وكل توسع في صناعة البتروكيماويات يمكن أن يخلق صادرات جديدة، وكل تحسن في كفاءة التكرير يمكن أن يقلل فاتورة الاستيراد، وكل استثمار جديد في الاستكشاف يمكن أن يضيف موردًا مستدامًا للاقتصاد.

لكن هناك سؤالًا يجب ألا يغيب:

هل نريد فقط استعادة إنتاج الغاز، أم نريد بناء صناعة كاملة حول الغاز؟

الفرق بين الاثنين كبير.
الأول يعالج احتياجًا حاليًا، أما الثاني فيخلق قيمة مضافة وفرص عمل وصادرات واستثمارات طويلة الأجل.

ومصر لا تحتاج فقط إلى المزيد من الغاز، بل تحتاج إلى أن يكون الغاز جزءًا من منظومة صناعية متكاملة تجعل الطاقة مدخلًا للإنتاج، والإنتاج مدخلًا للتصدير، والتصدير مصدرًا مستدامًا للعملة الأجنبية.

فالثروة الحقيقية ليست في وجود المورد تحت الأرض فقط، وإنما في قدرتنا على تحويله إلى اقتصاد أقوى فوق الأرض.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot