هناك تحول مهم يحدث في الاقتصاد المصري، لكنه لا يحظى بالقدر الكافي من النقاش: مصر تحاول الانتقال من مرحلة جذب الاستثمار إلى مرحلة اختيار نوع الاستثمار الذي تريده.
خلال الأيام الأخيرة، برز توجه واضح نحو جذب استثمارات هندية جديدة إلى مصر، خصوصًا في الصناعة وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا، بالتوازي مع تحركات مصرية لفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، من بينها السوق البرازيلية. كما شهدت اجتماعات وزراء التجارة والصناعة لدول بريكس تحركات مصرية لجذب استثمارات من الهند والصين والإمارات وروسيا وغيرها.
وهنا يجب أن يتغير السؤال.
لم يعد كافيًا أن نقول: «كم مليار دولار دخلت مصر؟» بل يجب أن نسأل: ماذا صنعت هذه المليارات؟
فالاستثمار الأجنبي الذي يأتي لإنشاء مصنع، ويستخدم خامات محلية، ويدرب العمالة المصرية، وينقل تكنولوجيا، وينتج للتصدير، يختلف اقتصاديًا بصورة جوهرية عن استثمار يكتفي بالسوق المحلي دون أن يضيف قدرة إنتاجية جديدة.
وهذا تحديدًا ما تحتاجه مصر في المرحلة المقبلة: استثمارات لا تكتفي ببيع منتجات داخل السوق، وإنما تستخدم مصر كقاعدة إنتاجية للوصول إلى أسواق أخرى.
وهنا تصبح المنافسة بين الدول أكثر تعقيدًا. المستثمر الصناعي العالمي يستطيع أن يختار بين عشرات الدول، ولذلك لن تكون الحوافز وحدها كافية. سيبحث عن العمالة، والطاقة، والموانئ، وسلاسل الإمداد، والاتفاقيات التجارية، وسهولة تحويل الأرباح، وسرعة الإجراءات، والأهم: هل يستطيع أن ينتج في مصر بتكلفة تجعله منافسًا في الخارج؟
ولهذا فإن جذب المستثمر ليس نهاية القصة، بل بدايتها.
المرحلة الأصعب هي تحويل المستثمر الأجنبي إلى جزء من منظومة الاقتصاد المصري؛ بحيث تنشأ حول المصنع صناعات مغذية، وموردون محليون، وشركات خدمات، ومراكز تدريب، ومراكز بحث وتطوير، ثم تتحول هذه المنظومة مع الوقت إلى قيمة اقتصادية تتجاوز المصنع نفسه.
وإذا نجحت مصر في ذلك، فإن الاستثمار الأجنبي لن يكون مجرد مصدر للعملة الأجنبية، بل وسيلة لبناء قاعدة إنتاجية جديدة.
أما الخطأ فهو أن نقيس النجاح بحجم الأموال التي دخلت فقط.
الاستثمار الجيد ليس الذي يدخل مصر فقط، وإنما الذي يجعل مصر أكثر قدرة على الإنتاج بعد دخوله.
وهنا تحديدًا يمكن أن تكون المنافسة القادمة فرصة حقيقية: أن تتحول مصر من سوق كبير يبحث المستثمر عن بيعه، إلى قاعدة صناعية يبحث المستثمر عن الإنتاج منها والتصدير إلى العالم.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق