بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية.
التربية قبل التعليم، كلمة يجب ألا تمر على أولياء الأمور مرورًا عابرًا؛ فالمدرسة لا تصنع طالبًا متفوقًا في الدرجات فقط، وإنما تبني إنسانًا يعرف معنى الاحترام والالتزام والمسؤولية. وما قيمة العلم إذا كان صاحبه لا يعرف كيف يتعامل مع معلمه وزميله وأسرته والمجتمع من حوله؟ فالأخلاق هي الأساس الذي يُبنى عليه التعليم، والأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطالب معنى السلوك والاحترام.
ولنتخيل المشهد داخل إحدى المدارس: معلم يقف أمام طلابه ليشرح درسًا، وفجأة تحدث مشادة بينه وبين أحد الطلاب، ثم يتطور الأمر إلى تعدٍّ على المعلم، وعندما يُسأل الطالب عن السبب تأتي الإجابة: «المعلم ضربني». وهنا لا بد من التوقف أمام الحقيقة قبل إصدار الأحكام؛ فالضرب ممنوع داخل المدرسة، وإذا كان هناك ادعاء باعتداء من المعلم، فله طرق التحقيق الرسمية، أما أن يتحول الادعاء إلى مبرر للاعتداء أو الإساءة أو تشويه السمعة، فهذه مشكلة أخلاقية وقانونية يجب التعامل معها بحزم.
وفي مشهد آخر أكثر خطورة، قد تلجأ طالبة أو طالب إلى إطلاق ادعاء ضد معلم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بحثًا عن المشاهدة أو «الترند»، ثم يتبين بعد التحقيق أن الواقعة غير صحيحة. هنا نحن أمام لحظة قد تبدأ بفيديو قصير وتنتهي بأزمة إنسانية ومهنية كبيرة؛ لأن الاتهام الكاذب لا يصيب شخصًا واحدًا فقط، بل قد يهدم سمعة معلم قضى سنوات في بناء مستقبله، وقد يترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا يصعب إصلاحه. ولذلك فإن الحرية لا تعني اختلاق الوقائع، والترند لا يمكن أن يكون فوق الحقيقة.
وهنا يأتي الدور الأكبر على ولي الأمر؛ فمتابعة درجات الطالب ليست كافية، والسؤال عن الواجبات المدرسية لا يكفي. يجب أن يسأل الأب والأم: كيف تعاملت معلمك اليوم؟ هل احترمت زميلك؟ هل أسأت إلى أحد؟ هل قلت الحقيقة؟ هل اعتذرت عندما أخطأت؟ فالطالب الذي يجد في منزله متابعة حقيقية لسلوكه، يدرك أن المدرسة ليست مكانًا لتفريغ الغضب أو ممارسة العنف أو صناعة الشهرة على حساب الآخرين.
إن هيبة المعلم لا تعني أبدًا السماح بالخطأ أو الاعتداء من أي طرف، وإنما تعني أن تكون هناك منظومة عادلة تحفظ حق المعلم وحق الطالب في الوقت نفسه. فإذا أخطأ المعلم، فهناك إدارة وجهات مختصة تحقق وتحاسب، وإذا أخطأ الطالب أو اعتدى أو أساء أو تعمد نشر اتهام كاذب، فيجب كذلك أن يخضع للمساءلة وفق القواعد واللوائح، دون انتقام ودون ظلم ودون محاباة.
ومن هنا تأتي رسالتي إلى وزارة التربية والتعليم والجهات المختصة: نحتاج إلى منظومة واضحة ومعلنة للسلوك المدرسي، يعرفها الطالب وولي الأمر والمعلم منذ بداية العام الدراسي. نحتاج إلى متابعة دورية لسلوك الطلاب، وليكن هناك تقييم أسبوعي أو دوري تشارك فيه المدرسة والهيئة التعليمية، لا بهدف العقاب فقط، وإنما لاكتشاف المشكلات مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى اعتداء أو تنمر أو تشويه أو أزمة.
كما نطالب بأن تكون هناك قواعد قانونية ولائحة سلوكية واضحة داخل كل مدرسة، تحدد حقوق الطالب وواجباته، وحقوق المعلم وواجباته، وتوضح بدقة الإجراءات التي يتم اتباعها عند حدوث شكوى أو اعتداء أو اتهام. ومن يخالف القواعد بعد ثبوت المخالفة يجب أن يتعرض للجزاء المناسب والرادع وفق القانون واللوائح، مع ضمان حق الجميع في التحقيق والدفاع وعدم توقيع العقوبة بناءً على شائعة أو اتهام غير مثبت.
وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن الطالب ليس خصمًا للمعلم، والمعلم ليس خصمًا للطالب؛ كلاهما داخل منظومة واحدة هدفها بناء الإنسان. ونناشد أولياء الأمور أن يكونوا شركاء حقيقيين في التربية، ونطالب المدارس بأن تحافظ على الانضباط والاحترام، وندعم كل جهد من وزارة التربية والتعليم والهيئات التعليمية من أجل مدرسة آمنة تحفظ كرامة الطالب وهيبة المعلم. فالتعليم يبني العقل، لكن التربية تبني الإنسان، وإذا صلحت التربية أصبح العلم نورًا، وإذا غابت الأخلاق أصبح العلم بلا أثر.
التربية قبل التعليم... لأن مستقبل الوطن لا يُقاس بدرجات أبنائه فقط، وإنما بما يحملونه من أخلاق وسلوك ومسؤولية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق