كتبت هذا المقال أ/هبــة رأفت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري مستشارة العلاقات الدبلوماسية لحقوق الإنسان
من أكثر الجمل التي نسمعها من الآباء والأمهات ابني لا يحب المذاكرة أو ابني كسول أو ابنتي لا تريد أن تفتح كتابها
لكن قبل أن نحكم على الطفل بالكسل علينا أن نتوقف ونسأل سؤالًا أهم
ماذا يحدث عندما يجلس طفلي أمام الكتاب؟
هل لا يفهم ما يقرأه
هل يشعر أن المطلوب منه أكبر من قدرته
هل يجد صعوبة في التركيز
هل تراكمت عليه الدروس فأصبح يشعر بالعجز
هل يخاف من الفشل
هل اعتاد أن يسمع المقارنة بينه وبين غيره
هل طريقة المذاكرة نفسها لا تناسبه
أم أن هناك مشكلة نفسية أو تعليمية تجعل المذاكرة تجربة مرهقة بالنسبة له
أحيانًا يكون رفض المذاكرة هو السلوك الظاهر لمشكلة أعمق
فالطفل الذي يجد صعوبة في القراءة قد يتجنب القراءة
والطفل الذي يعاني من صعوبة في الحساب قد يهرب من مادة الرياضيات
والطفل الذي لا يستطيع التركيز لفترة طويلة قد يبدو أمام والديه وكأنه غير مهتم
والطفل الذي يخاف من الخطأ قد يفضل ألا يبدأ أصلًا حتى لا يكتشف أنه غير قادر
هنا لا يكون الطفل كسولًا بالضرورة
بل قد يكون قد تعلم أن الابتعاد عن المهمة أسهل من مواجهة شعور الفشل
عندما تصبح المذاكرة مرتبطة بالخوف
إذا كانت كل جلسة مذاكرة تنتهي بالصراخ والتهديد والعقاب فقد يبدأ الطفل في تكوين ارتباط سلبي مع المذاكرة
الكتاب يعني توترًا الواجب يعني صراخًا الامتحان يعني خوفًا والدرجة المنخفضة تعني عقابًا
وبمرور الوقت قد يبدأ الطفل في مقاومة المذاكرة قبل أن يبدأها أصلًا ليس لأنه يكره التعلم بالضرورة وإنما لأنه يكره المشاعر التي أصبحت مرتبطة به
هل طفلي لا يحب المذاكرة أم لا يعرف كيف يذاكر؟
هناك أطفال يريدون النجاح فعلًا لكنهم لا يعرفون كيف ينظمون وقتهم أو يقسمون المادة أو يبدأون من أين
قد يجلس الطفل أمام الكتاب ساعة كاملة دون إنجاز حقيقي ثم يسمع من والديه أنك لا تريد المذاكرة
بينما المشكلة الحقيقية أنه يحتاج إلى تعليم مهارات المذاكرة نفسها
كيف أبدأ كيف أقسم المهمة كيف أرتب الأولويات
كيف أراجع كيف أستريح وكيف أعرف أنني أنجزت ما عليّ، تراكم الدروس قد يصنع الرفض
عندما تتراكم المهام على الطفل قد يشعر أن أمامه جبلًا لا يستطيع تسلقه
فيبدأ بالتأجيل ثم الهروب ثم استخدام الهاتف أو اللعب أو النوم وهنا قد يظن الوالدان أن الطفل يختار الكسل بينما هو في الحقيقة يشعر بالعجز أمام حجم المطلوب منه لذلك تقسيم المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة قد يكون أكثر فاعلية من الضغط المستمر
بدلًا من قول ذاكر كل المادة يمكن أن نقول
سنبدأ بصفحتين ثم نأخذ استراحة قصيرة
عندما يشعر الطفل أن المهمة ممكنة يصبح البدء أسهل
المقارنة لا تصنع الدافعية
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن نقول للطفل
أخوك بيذاكر أحسن منك
زميلك جاب الدرجة النهائية وأنت لا
أنت ذكي لكنك كسول
هذه العبارات قد تجعل الطفل يشعر أن المشكلة في شخصيته وليس في مهارة يمكن تطويرها
والطفل الذي يسمع باستمرار أنه كسول قد يبدأ في تبني هذه الصورة عن نفسه
بدلًا من وصف الطفل بأنه كسول نحتاج إلى وصف السلوك
أنت لم تنجز المهمة اليوم ثم نسأله ما الذي جعلك لا تبدأ؟
هنا ننتقل من الحكم إلى الفهم كيف نساعد الطفل؟
ابدأوا بتحديد السبب قبل وضع الحل
راقبوا متى يرفض الطفل المذاكرة
هل يرفض مادة معينة هل يرفض كل المواد
هل يستطيع التركيز في اللعب لكنه لا يستطيع التركيز في الدراسة
هل يفهم الدرس عندما نشرحه شفهيًا لكنه يعجز عن حله بمفرده
هل ينسى ما تعلمه بسرعة
هل يحتاج وقتًا أطول بكثير من أقرانه لإنجاز المهمة
هذه الملاحظات قد تساعد في اكتشاف ما إذا كانت المشكلة مرتبطة بعادات الدراسة أو الدافعية أو صعوبة تعليمية أو مشكلة في الانتباه أو عوامل نفسية أخرى
ومن المهم أن يكون وقت المذاكرة مناسبًا لقدرة الطفل
فالطفل الصغير لا يمكن أن نتوقع منه الجلوس لفترات طويلة دون حركة
وفترات المذاكرة القصيرة المنظمة قد تكون أكثر فاعلية من جلسة طويلة مليئة بالصراع
استخدم التعزيز بدلًا من النقد المستمر
لاحظ المجهود وليس النتيجة فقط
أعجبني أنك بدأت دون أن أذكرك
لاحظت أنك حاولت مرة ثانية بعد أن أخطأت
أنت اليوم أنجزت أكثر من أمس
هذا النوع من التعزيز يساعد الطفل على بناء شعور بالقدرة
والهدف ليس أن يصبح الطفل معتمدًا على المكافآت في كل مرة وإنما أن يتعلم تدريجيًا الشعور بالرضا عن الإنجاز وتحمل المسؤولية
لا تجعل المذاكرة تأخذ كل مساحة العلاقة
إذا أصبح معظم كلام الأسرة مع الطفل عن الدراسة والواجبات والامتحانات فقد يبدأ الطفل في الشعور أن قيمته بالنسبة لأسرته مرتبطة بالإنجاز فقط
تحدث معه عن أشياء أخرى
اسأله عن أصدقائه اهتم بهواياته استمع إلى قصصه العب معه امنحه وقتًا يشعر فيه أنه محبوب ومقبول بعيدًا عن الدرجات فالطفل الذي يشعر بالأمان العاطفي يكون أكثر استعدادًا للمحاولة والتعلم
ومتى نحتاج إلى تقييم متخصص؟
إذا استمر رفض المذاكرة بشكل شديد رغم تنظيم البيئة وتغيير أسلوب التعامل
أو إذا كان الطفل يعاني من صعوبة واضحة في القراءة أو الكتابة أو الحساب
أو يجد صعوبة شديدة في التركيز
أو ينسى المعلومات بصورة غير معتادة
أو يحتاج إلى وقت طويل جدًا لإنجاز المهام مقارنة بأقرانه
أو تظهر عليه علامات قلق شديد أو خوف من المدرسة أو الامتحانات
فهنا لا يكفي أن نقول إنه كسول
بل نحتاج إلى فهم السبب بصورة أدق من خلال تقييم تربوي ونفسي مناسب عند الحاجة
كل طفل يرفض المذاكرة لا يعني أنه كسول
أحيانًا يكون خلف الرفض خوف
وأحيانًا صعوبة وأحيانًا تراكم
وأحيانًا احتياجًا إلى طريقة تعليم مختلفة
وأحيانًا يحتاج الطفل فقط إلى أن يشعر أن الشخص الذي يجلس بجانبه لا يحاكمه وإنما يساعده
لذلك قبل أن تقول لابنك أنت كسول ولا تحب المذاكرة
جرب أن تقول له أنا شايف إن المذاكرة بقت صعبة عليك ومش عايز ألومك قبل ما أفهمك قولي إيه أكتر حاجة بتضايقك فيها؟
قد تكون هذه الجملة بداية اكتشاف المشكلة الحقيقية بدلًا من الدخول في معركة جديده
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق