في الوقت الذي تتنافس فيه الدول على جذب رؤوس الأموال، بدأت معايير المنافسة نفسها تتغير. لم يعد المستثمر يبحث فقط عن أرض رخيصة أو حوافز ضريبية، وإنما عن منظومة متكاملة تسمح له بالإنتاج والتوسع والتصدير.
وهذا تحديدًا ما يجعل التحركات المصرية الحالية لجذب استثمارات طويلة الأجل في الصناعة والتكنولوجيا والتصدير مهمة. فمصر تستهدف جذب استثمارات هندية نوعية إلى القطاع الصناعي، مع التركيز على نقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات وخلق فرص العمل.
لكن جذب الاستثمار ليس نهاية المعادلة، بل بدايتها.
فالاستثمار الذي يدخل السوق ثم يعتمد بالكامل على مدخلات مستوردة ويبيع إنتاجه محليًا، يختلف اقتصاديًا عن استثمار ينشئ قاعدة إنتاجية، ويستخدم موردين محليين، وينقل المعرفة، ويدرّب العمالة، ثم يستخدم مصر منصة للتصدير إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وهنا يجب أن تتغير طريقة تقييم الاستثمار الأجنبي.
بدلًا من السؤال عن حجم رأس المال الداخل فقط، يجب أن نسأل: كم فرصة عمل خلق؟ كم من مكوناته أصبح محليًا؟ كم من التكنولوجيا انتقلت إلى السوق؟ وكم دولارًا من الصادرات يمكن أن يولده سنويًا؟
وهذه النقطة شديدة الأهمية بالنسبة لمصر؛ لأن جزءًا كبيرًا من قوة الاستثمار يمكن أن يأتي من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية وحجم سوقها، لكن هذه المزايا لا تصبح ميزة تنافسية حقيقية إلا إذا استطاع المستثمر أن ينتج في مصر بتكلفة وجودة تسمحان له بالمنافسة خارجها.
كما أن الاستثمار الأجنبي لا ينبغي أن يعمل في جزيرة منفصلة عن الاقتصاد المحلي. فالمصنع الكبير يمكن أن يكون نقطة انطلاق لعشرات المصانع الصغيرة التي تنتج مكوناته، وشركات الخدمات التي تخدمه، ومراكز التدريب التي توفر العمالة المطلوبة، وهو ما يخلق أثرًا اقتصاديًا أكبر بكثير من المشروع نفسه.
لذلك، فإن التحدي القادم ليس فقط في زيادة عدد المشروعات الجديدة، وإنما في بناء سلاسل قيمة محلية حول هذه المشروعات.
وهنا يصبح دور الدولة مختلفًا: توفير الأرض والبنية التحتية والحوافز مهم، لكن الأهم هو خلق بيئة تجعل المستثمر قادرًا على التوسع، وتمنح الشركات المصرية فرصة الدخول في سلاسل التوريد، وتربط الاستثمار بالتصدير ونقل التكنولوجيا.
فمصر لا تحتاج إلى استثمار يستهلك السوق فقط.
تحتاج إلى استثمار يبني طاقة إنتاجية جديدة، ويخلق قيمة مضافة، ويولد عملة أجنبية، ويفتح أسواقًا جديدة أمام الاقتصاد المصري.
قد يكون الاستثمار الأفضل هو ذلك الذي يجعل الدولة بعد عشر سنوات أكثر قدرة على الإنتاج مما كانت عليه قبل دخول المستثمر.
فالنجاح ليس أن يأتي رأس المال إلى مصر، وإنما أن يترك وراءه اقتصادًا أقوى مما وجد.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق