السبت، 15 أغسطس 2026

قد يبدو استثمار بقيمة 117 مليون دولار في قطاع الغزل والنسيج مجرد صفقة صناعية جديدة، لكنه في الحقيقة يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الاستثمارات التي تحاول مصر جذبها.

قد يبدو استثمار بقيمة 117 مليون دولار في قطاع الغزل والنسيج مجرد صفقة صناعية جديدة، لكنه في الحقيقة يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الاستثمارات التي تحاول مصر جذبها.

فقد أعلنت مجموعة Jasan الصينية عن استثمار بقيمة 117 مليون دولار لإنشاء مجمع متكامل للمنسوجات والملابس في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يستهدف زيادة الطاقة الإنتاجية الموجهة للتصدير.

والأهمية هنا ليست في قيمة الاستثمار وحدها.

قطاع النسيج من أكثر القطاعات التي تستطيع مصر من خلالها بناء سلسلة قيمة متكاملة؛ من القطن والغزل والنسيج، إلى الصباغة والتجهيز، ثم الملابس الجاهزة والتعبئة والتصدير.

وهذا النوع من الاستثمارات يختلف عن مشروع يدخل السوق المصرية بهدف البيع للمستهلك المحلي فقط. فالمصنع التصديري يستطيع أن يستخدم مصر كقاعدة إنتاجية للوصول إلى أسواق متعددة، مستفيدًا من الموقع الجغرافي والاتفاقيات التجارية والبنية اللوجستية.

لكن التحدي الحقيقي هو: هل نستطيع تحويل كل استثمار أجنبي إلى منظومة صناعية محلية؟

فالمصنع الكبير يمكن أن يخلق طلبًا على عشرات الموردين المحليين، وشركات النقل والخدمات، ومصانع التعبئة، ومقدمي الخدمات الفنية، ومراكز التدريب. وإذا نجحنا في ربط هذه الشركات بسلسلة التوريد، فإن أثر المشروع يتجاوز قيمة الاستثمار المعلنة بكثير.

وهنا تحديدًا يجب أن يتغير مفهوم جذب الاستثمار.

ليس المهم فقط أن يدخل المستثمر ويبدأ الإنتاج، وإنما أن تزيد نسبة المكون المحلي تدريجيًا، وأن تنتقل التكنولوجيا والخبرات، وأن تنشأ شركات مصرية حول المشروع، وأن تتحول المنتجات النهائية إلى صادرات تحمل قيمة مضافة.

والأهم أن يكون هناك هدف واضح: لماذا جاء هذا الاستثمار إلى مصر بدلًا من دولة أخرى؟

إذا كانت الإجابة هي انخفاض التكلفة فقط، فقد ينتقل المستثمر عندما يجد تكلفة أقل في مكان آخر.

أما إذا كانت الإجابة هي وجود منظومة صناعية متكاملة، وموردين محليين، وعمالة ماهرة، وموانئ، وأسواق تصديرية، وسرعة في الإجراءات، واستقرار في بيئة الأعمال، فهنا تصبح مصر جزءًا من استراتيجية المستثمر طويلة الأجل.

والفرصة لا تقتصر على النسيج.

فما يحدث في هذا القطاع يمكن تكراره في الصناعات الغذائية، والدوائية، والهندسية، والكهربائية، ومكونات السيارات وغيرها.

الهدف الحقيقي ليس جذب مصنع جديد، وإنما بناء سلسلة صناعية كاملة حول كل مصنع جديد.

فإذا دخل استثمار بقيمة 117 مليون دولار وخرج منه بعد سنوات استثمارات محلية إضافية، وموردون جدد، وتكنولوجيا جديدة، وصادرات أكبر، وآلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، عندها فقط نستطيع القول إن الاستثمار لم يضف مصنعًا إلى الاقتصاد فحسب، بل أضاف قدرة إنتاجية جديدة.

وهذه هي المعادلة التي تحتاج مصر إلى التركيز عليها في المرحلة المقبلة:

لا نريد استثمارات تأتي إلى مصر فقط، بل استثمارات تجعل مصر أكثر قدرة على الإنتاج والتصدير بعد أن تأتي.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot